آلان بين زائد أربعة

لإ

كتب توم هانكس

ترجمة: رضوى أشرف

إعداد: هشام فهمي

نُشِرَت فيThe New Yorker في 27 أكتوبر 2014


كما أثبت أربعتنا، كان السفر إلى القمر هذا العام أقل تعقيدًا عما كان عليه عام 1969، مع أن لا أحد يهتم بالمسألة برُمَّتها أصلًا. الذي حدث أننا كنا نشرب البيرة الباردة في فناء منزلي، والقمر هلال يبدو كظُفر أميرة رقيق واطئ جهة الغرب، عندما قلتُ لستيڤ وونج إنه إذا قام بتطويح مطرقةٍ -على سبيل المثال- بالقوَّة الكافية، فإن تلك المطرقة سوف تدور حول القمر بسرعة خمسمئة ألف ميل، ثم تعود إلى الأرض مرَّة أخرى مثل القوس الخشبي المُرتَد. أليس ذلك مذهلًا؟
يعمل ستيڤ وونج في أحد متاجر الأدوات المنزلية، لذلك يستطيع الحصول على المطارق بسهولة، وقد عرض عليَّ أن يأتيني ببعضها. تساءل زميله في العمل إم داش -الذي اختصر اسمه الهندي الأحمر الطويل ليصير كاسم أحد نجوم الراپ- كيف قد يتمكَّن أحدهم من إمساك مطرقة ساخنة لدرجة الاحمرار تَسقُط بسرعة ألف ميل في الساعة؛ بينما قالت آنا -التي تعمل في شيءٍ ما له علاقة بتصميم المواقع الإلكترونيَّة- إنه لن يكون هناك شيء نُمسكه أصلًا، لأن المطرقة ستحترق بالكامل كالنَّيزك، وكانت مُحِقَّة، وهذا بالإضافة إلى عدم اقتناعها بنظريتي الكونيَّة البسيطة التي تتلخَّص في ”الرمي – الانتظار – العودة“. دائمًا ما ينتاب آنا الشك حيال مشاريعي الفضائيَّة حسنة النوايا. تقول إنني دائم الكلام عن أپولو 13 ولونخود، إلى درجة جعلتني أبدأ في تزييف الحقائق لأبدو بمظهر الخبير، وهي مُحِقَّة في ذلك أيضًا.
أحتفظ بكل كتبي غير الخياليَّة على قارئي الكوبو الإلكتروني الذي لا يزيد حجمه عن حجم الجيب، ففتحت فصلًا من كتاب ”انسَ يا إيڤان: لماذا خسر الاتحاد السوڤييتي السباق إلى القمر“، والذي كتبه پروفسيور مهاجر يتمتَّع برأيٍ شديد التعنُّت. طبقًا له، ففي منتصف الستينات حاول السوڤييت التغلب على برنامج أپولو بأسلوبٍ مشابه، أي دون مدار أو هبوط، فقط بالصور. أرسل الشيوعيُّون مركبة فضائية بدون طيار، ووضعوا فيها ما يُعتَقَد أنه مانيكان في بذلة فضائية، لكن وقعت أخطاء كثيرة إلى درجة منعتهم من المحاولة مرة أخرى، ولو حتى باستخدام كلب. كاپوتنيك!
آنا نحيلة شديدة الذكاء، ومندفعة أكثر من أي فتاةٍ واعدتها (لمدة ثلاث أسابيع مُرهِقة)، وقد رأت تحديًّا في الأمر، وأرادت أن تنجح فيما فشل فيه الروس. سيكون هذا ممتعًا. قالت إننا سنذهب جميعًا، وكان القرار نهائيًّا.. لكن متى؟ اقترحتُ أن نجعل ميعاد الانطلاق متزامنًا مع الذكرى الخامسة والأربعين لرحلة أپولو 11، أشهر رحلة للفضاء في التاريخ، لكن الموعد لم يكن يصلح، لأن ستيڤ وونج كان لديه ميعاد مع طبيب الأسنان في الأسبوع الثالث من يوليو. ماذا عن نوڤمبر إذن، حين هبطت أپولو 12 في محيط العواصف، منذ خمسة وأربعين عامًا كذلك وإن كان 99% من أهل الأرض قد نسوا ذلك؟ كانت آنا إحدى وصيفات الشرف في حفل زفاف أختها في الأسبوع التالي للهالووين، لذلك اتفقنا على أن أفضل ميعاد للمهمة هو السبت السابع والعشرون من سبتمبر.
رواد الفضاء في حُقبة أپولو كان عليهم أن يقضوا آلاف الساعات في قيادة الطائرات النفاثة والحصول على شهادات الهندسة، وكان عليهم التدرب على الهروب من كوارث منصَّات الإطلاق بالانزلاق على كابلاتٍ طويلة إلى حيث الغُرف المبطَّنة الآمنة تحت الأرض، فكان عليهم أن يعرفوا قواعد الانزلاق. أما نحن فلم نفعل أيًّا من ذلك، على الرغم من قيامنا بتجربة طيران لمُعَزِّز المحرك الخاص بنا يوم عيد الرابع من يوليو في ممر السيارات الضخم الخاص بستيڤ وونج في أوكسنارد، آملين أن المرحلة الأولى التي تتم دون ملاحةٍ بشريَّة سوف تمرُّ دون أن يلاحظها أحد وسط كل تلك الألعاب الناريَّة. ولقد نجحت المهمة. اختفى الصاروخ، ويقوم حاليًّا بدورةٍ حول الأرض كلَّ تسعين دقيقة.. ودعني أقول بصراحة، موجِّهًا كلامي لعددٍ من المؤسسات الحكوميَّة، إنه سيحترق غالبًا دون أن يُسَبِّب أيَّ أذى عند معاودته دخول الغلاف الجوي بعد 12 إلى 14 شهرًا.
إم داش، الذي وُلِد في قرية جنوب الصحراء الكبرى، لديه مخ خارق، فقد تمكَّن أثناء دراسته الإعداديَّة، بإنجليزيته البسيطة، من الفوز بجائزة الاستحقاق في أحد معارض العلوم بتجربته عن المواد القابلة للاحتراق التي انتشرت سريعًا، ما أثار إعجاب الجميع. وبما أن عبارة ”عاد بالسلامة إلى الأرض“ توحي بامتلاكك درعًا حرارية تعمل جيدًا، فقد أصبح إم داش مسؤولًا عن هذا وعن كلِّ المسائل الناريَّة، بما في ذلك الانفجارات المسؤولة عن الأقفال المتفجِّرة الخاصة بمراحل انفصال السفينة. أما آنا فكانت مسؤولة عن الحساب: نسب الأحمال وميكانيكا المدارات وخلط الوقود والمعادلات المختلفة، تلك الأشياء التي أتظاهر بمعرفتها، بينما تصيبني في الواقع بالدوار.
مساهمتي كانت وحدة القيادة، وهي عبارة عن كرة ضيقة شبيهة بالمصباح قام بترقيعها أحد أقطاب مستزلمات أحواض السباحة كان عازمًا بشدَّة على دخول عالم أعمال الفضاء الخاصة ليجني بعض أرباح ناسا الكبيرة.. على أنه مات أثناء نومه قبل عيد ميلاده الرابع والتسعين، ووافقت زوجته/أرملته (الرابعة) على أن تبيعني الكبسولة مقابل مئة دولار، بشرط أن أُخرجها من مرآبها قبل نهاية الأسبوع. أطلقت على الكبسولة اسم آلان بين، على شرف طيار المركبة القمرية في رحلة أپولو 12، رابع رجل يمشي على القمر، والوحيد الذي قابلته ممن مشوا على القمر، وكان هذا في مطعم مكسيكي في هيوستن عام 1986. كان يدفع الحساب وهو مجهول كأنه جراَّح عظام أصلع، عندما صرختُ: ”ربَّاه! أنت آل بين!“.. يومها أعطاني توقيعه ورسم رائد فضاء صغيرًا فوق اسمه.
وبما أننا سنشارك نحن الأربعة في رحلة الدوران حول القمر، كان عليَّ أن أفسح مكانًا وأتخلَّص من الوزن الزائد داخل المركبة. لن يكون هناك اتصال بأي قاعدة، لذلك تخلصت من كلِّ وسائل الاتصال، واستبدلت كلَّ مسمار ومفصل ومشبك وتوصيلة بشريطٍ لاصق (اللفافة منه بثلاثة دولارات في متجر الأدوات المنزلية). دورة المياه كانت بها ستارة على سبيل الخصوصيَّة، فقد سمعت من مصدرٍ متمرِّس أن دخول الحمَّام في بيئة منعدمة الجاذبية يتطلَّب أن تتعرى بالكامل وتعطي لنفسك حوالي نصف ساعة، لذا كانت الخصوصيَّة ضروريَّة. كذلك استبدلت مقبض الكوَّة الخارجيَّة وقفله الإلكتروني الضخم بقابس من الفولاذ يحتوي على نافذةٍ كبيرة وباب يوصَد ذاتيًّا. في المساحة الفارغة، سيقوم ضغط الهواء داخل آلان بين بإغلاق الباب تمامًا. إنها فيزياء بسيطة.
عندما تُعلِن عن سفرك للقمر، يفترض الجميع رغبتك في الهبوط عليه، وأن تغرس العلم وتتقافز كالكنغر بسُدس جاذبيَّة الأرض، وتجمع بعض الصخور لتعود بها إلى الوطن؛ وكلها أشياء لم تكن في نيتنا. إننا سندور حول القمر، أما الهبوط عليه فشيء مختلف تمامًا، ناهيك عن الخروج إلى سطحه، فاختيار من منا نحن الأربعة سيخرج أولًا ليصبح صاحب أثر القدم الثالث عشر على سطح القمر كان ليُفضي إلى الشعور بالكثير من الحقد والحسد، وكان طاقمنا لينفصل قبل أن تنقضي ثوانٍ عشر.
استغرق تركيب المراحل الثلاث لسفينتنا الجميلة آلان بين يومين. قمنا بتخزين ألواح الجرانولا والمياه في عبواتٍ مضغوطة، ثم قمنا بضخ الأوكسچين السائل من أجل مرحلتي الدفع الأوليتين، والكيماويات القابلة للاشتعال من أجل الإطلاق الأولي للمحرك، ومن ثم سيقودنا صاروخنا الصغير إلى مغامرتنا القمرية. جاء أغلبية سكان أوكسنارد إلى ممر سيارات ستيڤ وونج ليُحَملِقوا في آلان بين، مع أن لا أحد منهم كان يعرف من هو آلان بين أو لِمَ سمينا الصاروخ باسمه. توسَّل الأطفال لأن نسمح لهم بأن يلقوا نظرة داخل المركبة، لكن لم يكن لدينا تأمين عليها.
ماذا تنتظرون؟ هل ستنطلقون قريبًا؟ شرحتُ لكلِّ مغفَّل كان يسمعني معنى نوافذ ومسارات الإطلاق، وأريتهم على تطبيق الموون فيز (المجاني) كيف علينا أن ندخل مدار القمر في اللحظة المناسبة تمامًا، وإلا فإن الجاذبيَّة القمريَّة سوف.. ما علينا! ها هو القمر! فلتوجِّه صاروخك نحوه ولتبدأ العرض.
بعد الخروج من برج الإطلاق بأربعٍ وعشرين ثانية كانت المرحلة الأولى تحترق بدون توقف، وكان تطبيق ماكس كيو (بـ99 سنتًا) يُظهرِنا ونحن نقوم بسحب ما يزيد على وزننا بنحو 11.8 مرَّة فوق مستوى البحر، وإن كنا لم نكن في حاجةٍ إلى الآيفون ليُخبرنا بذلك في الحقيقة.
كنا.. نقاتل.. محاولين.. التنفس.. بينما كانت آنا.. تصرخ ”ابتعد.. عن.. صدري!“، مع أن أحدًا لم يكن يجلس على صدرها. كانت هي في الواقع الجالسة فوقي، تُحَطِّمني فيما بدا شبيهًا برقصة يقوم بها لاعب هجوم في حِجري. ثم.. كابووم! انفجرت أقفال إم داش المزوَّدة بالديناميت، واشتعلت المرحلة الثانية كما هو مخطَّط. بعد دقيقة، بدأت كوكبة من الأتربة والعملات الفكة وبعض الأقلام في التحليق من خلف مقاعدنا، مشيرةً أن مرحى، لقد دخلنا المدار!
انعدام الوزن مسلٍّ كما تحسب بالضبط، ولكنه مزعج لبعض رواد الفضاء ممن يقضون ساعاتهم الأولى بالأعلى في القيء لسببٍ أجهله، كأنهم أسرفوا في الشراب في الحفل قبل الإقلاع. هذه واحدة من الحقائق التي لا تعلن عنها ناسا ولا تراها في مذكرات رجال الفضاء. بعد ثلاث دورات حول الأرض وبعد تأكدنا من قائمتنا الضرورية لباقي الرحلة، اسقرَّت معدة ستيڤ وونج أخيرًا، وفي مكان ما فوق أفريقيا فتحنا صمامات محركنا القمري، وبدأت المواد القابلة للاشتعال في تفاعلها الكيميائي السحري، ثم.. ڤوووش! كنا ننطلق نحو القمر بسرعة تبلغ سبعة أميال في الثانية، وفي النافذة كان كوكب الأرض يصغر ويصغر.
الأمريكيون الذين ذهبوا إلى القمر قبلنا كانت لديهم كومپيوترات بدائيَّة للغاية، فلم يتمكَّنوا من تلقي الإيميلات أو استخدام جوجل لحسم الجدالات، أما أجهزة الآيپاد التي أخذناها معنا فكانت مساحتها أكبر بسبعين بليون مرَّة من أجهزة عهد أپولو تلك وأكثر فائدة، خاصةً خلال فترات التوقف الهائلة التي مررنا بها، وقد استخدم إم داش جهازه لمشاهدة الموسم الرابع من Breaking Bad. التقطنا مئات من صور السِّيلفي بينما تظهر الأرض في النافذة، ثم لعبنا دورة تنس طاولة بدون طاولة معتمدين على كرة پينج پونج والمقعد الرئيس، وفازت بها آنا. بدأت العمل على المحركات في نظام الحركة، معدِّلًا آلان بين للحصول على مشاهد للنجوم الظاهرة في ضوء الشمس، مثل أنتاريس ونونكي والمجموعة الكروية إن چي سي 6333، والتي لايلمع أيٌّ منها بينما أنت في الأعلى وسطها.
الحدث الكبير خلال السفر إلى الفضاء المحيط بالقمر هو عبور طبقة الإكوجراسفير، وهي عبارة عن خط خفي مثل خط التوقيت الدولي، لكن بالنسبة لسفينة آلان بين كان أشبه بروبيكون. على هذه الجهة من المؤشرات، كانت جاذبية الأرض تجذبنا للخلف، تبطئ من تقدمنا، تدعونا للعودة إلى الوطن والعودة للحقائق المؤكدة لمنافع المياه والغلاف الجوي والمجال المغنطيسي. بمجرد عبورنا، تمسَّكت جاذبية القمر بنا، ليُطوِّقنا مجاله الفضي العتيق، ويهمس لنا أن أسرعوا أسرعوا أسرعوا لنُحدِّق في ذهول في وحشته رائعة الجمال.
وفي اللحظة نفسها التي بلغنا فيها تخوم القمر، كافأتنا آنا بطيور من الأوريجامي صنعتها من ورق الألومينيوم، فلصقناها بقمصاننا كأنها أجنحة الطيارين. وضعتُ آلان بين على نظام تحكم حراري سلبي شبيه بدرجة حرارة الشواء، وبدأت سفينتنا الفضائيَّة في الدوران على سيخٍ خفي كما لو أنها تقوم بتوزيع حرارة الشمس. ثم إننا أغلقنا الأنوار، وعلقنا كنزة على النافذة لنمنع ضوء الشمس من التسلل إلى الكابينة، وخلدنا إلى النوم وقد انعزل كلٌّ منا في زاوية مريحة من سفينتنا الفضائيَّة الصغيرة.
عندما أخبر الناس بأنني رأيت الجانب الآخر من القمر، غالبًا ما يقولون: ”تقصد الجانب المظلم؟“، كأنني واقع تحت تأثير تعويذة لدارث ڤيدر أو پينك فلويد. في الواقع، يحصل جانبا القمر على القدر نفسه من أشعة الشمس، فقط في وقتين مختلفين.
ولأن القمر كان ينشر ضوءه الشمعي على الرفاق في الوطن، كان علينا أن ننتظر الجزء الظليل على الجهة الأخرى. في ذلك الظلام، مع اختفاء ضوء الشمس والقمر يحجب انعكاس الكرة الأرضية، بدأت تحريك آلان بين قليلًا حتى أصبحت نافذتنا في مواجهة متوالية لانهائية من الزمن والفضاء، وهو مشهد جدير بشاشة IMAX: نجوم ثابتة مضاءة بألوانٍ من الأحمر والبرتقالي والأصفر والأخضر والأزرق والنيلي والبنفسجي، مجرتنا تمتد على مرأى العين كأنها سجادة بزُرقة الماس في مواجهة سواد كان من الممكن أن يكون مرعبًا لو لم يكن بهذا السِّحر.
ثم حلَّ النور فجأةً كأن إم داش ضغط زرًّا ما. عبثت بأجهزة التحكم قليلًا، ومن أسفلنا كان سطح القمر. واو! إنه مبهر بطريقة لا تستطيع أي كلمة أن توفيه حقه، مكان وعر لكن يحث على الكثير من الانبهار والرهبة. أظهر لنا تطبيق لوناتيكيت (99 سنتًا) اجتيازنا المسافة من الجنوب إلى الشمال، لكن عقولنا كانت تائهة في الفضاء. السطح فوضوي أشبه بخليج رمادي تثيره الرياح، حتى طابقته بدليل ”هذا قمرنا“ على جهاز الكوبو. كانت آلان بين تحلق على ارتفاع 153 كيلومترًا، أسرع من طلقة منطلقة من مسدس، وكان القمر ينسل بعيدًا بسرعةٍ شديدة. فوهة أوريسامي كانت تغطيها خطوط بيضاء وقد ظهرت على جانبها آثار لمنخفضات وأنهار عفا عليها الزمن. قسمنا فوهة دوفاي إلى نصفين، محققين تحولًا سريعًا من اثني عشر إلى ستة، بينما الحافة حادة شائكة كالموسى. أما مير موسكوفينس فكان بعيدًا فلم نقترب منه، وقد بدا شبيهًا بنسخة مصغرة من محيط العواصف، حيث كان آلان بين الحقيقي منذ أربعة عقود ونصف يمشي ويجمع الصخور ويلتقط الصور. رجل محظوظ.
لم تتمكَّن عقولنا من استيعاب المزيد، لذلك قامت أجهزة الآيفون بالتسجيل، وتوقَّفتُ عن مناداة الأماكن بأسمائها، على رغم ملاحظتي لكامپل وديألمبرت -وهما فوهتان صغيرتان متصلتان ببعضهما البعض- بينما كنا في طريقنا إلى الوطن مرورًا بقطب القمر الشمالي. كان ستيڤ وونج قد أعد أغنيَّة معينة ليُشغِّلها أثناء عودتنا إلى الأرض، لكنه كان قد اضطر لإعادة تشغيل البلوتوث على مشغِّل الموسيقى الخاص بآنا، وكان قد تأخَّر بعض الشيء على موعد تشغيلها. صرخ إم داش: ”شغِّليها! شغِّليها!“، بينما احتلَّت رقعة غارقة في الأزرق والأبيض –جزء من كل ما صنعناه من أنفسنا، من كل ما كنا عليه– الكون الأسود أعلى الأفق المدبب كالمنشار. توقعت أن تكون مقطوعة كلاسيكيَّة لفرانز چوزيف هيدن أو چورج هاريسون مثلاً، لكن بالله عليك Circle of Life من فيلم The Lion King لتوثِّق صعودنا من الوطن إلى قمر الجص هذا؟ حقًّا؟ أغنية من أغاني ديزني؟ لكن الألحان والكلمات ذات المعنى المزدوج جعلتني في الحقيقة أشعر باختناقٍ في حلقي، وبدأت الدموع في الانهمار على وجهي لتنضم لدموع الآخرين التي كانت تطفو في أرجاء آلان بين. عانقتني آنا كأنني لا أزال صاحبها. بكينا، بكينا جميعًا، وكنت لتفعل المثل لو كنت معنا.
العودة إلى الوطن كانت بمثابة خيبة أمل كبيرة، على الرغم من الاحتماليَّة (التي لم نعلنها) بأن نحترق بالكامل عند دخولنا الغلاف الجوي الأرضي كقمر تجسُّس صناعي عتيق في حدود عام 1962. بالطبع كنا جميعًا مسرورين لتمكُّننا من القيام بالرحلة واستهلاك ذاكرة هواتف الآيفون بالآي-صور. لكن بدأت أسئلة من قبيل ”ماذا سنفعل عند عودتنا بخلاف رفع كل هذه الصور على إنستاجرام؟“ في التردد.
إذا قابلت آل بين مرَّة أخرى، سأسأله كيف قضى حياته بعد أن عبر الإكوجراسفير مرَّتين. أيعاني من الشعور بالاكتئاب في فترة الظهيرة الهادئة بينما يدور العالم بلا توقف؟ هل سأشعر بالحزن أحيانًا لأنه لا يوجد شيء يضاهي روعة قسم دوفاي إلى نصفين؟ أعتقد هذا.
– «واو! كامشاتكا!»، صرخت آنا بينما بدأت درعنا الحرارية في التفتت إلى ملايين المذنبات بحجم الحبوب. كنا قد بدأنا في الانحناء فوق الدائرة القطبيَّة الشمالية وقد بدأت الجاذبيَّة تأمرنا نحن من صعدنا إلى أعلى بالنزول مرَّة أخرى. وعندما انفتحت المظلة، هزَّتنا آلان بين حتى النخاع، مسببة انفصال جهاز الموسيقى عن موقعه المثبت باللاصق ليصطدم برأس إم داش. وعندما هبطنا أخيرًا في أواهو، كان خيط من الدم ينساب من الجرح العميق بين حاجبيه. أعطته آنا منديلها، إذ خمِّن ما الذي نسينا أن نأخذه معنا في رحلتنا إلى القمر؟ للقراء الذين ينوون تقليدنا أقول: الضمَّادات.
وفي المرفأ –أي السقوط في المحيط، بدلًا من التحلل إلى پلازما– قام إم داش بتشغيل مشاعل الإنقاذ التي كان قد خبأها أسفل عدة الباراشوت. فتحت صمام تعديل الضغط مبكرًا، ولذلك بدأت العوادم الصادرة من جهاز حرق الوقود الزائد في دخول الكبسولة لتجعلنا نشعر بالغثيان أكثر.
وبمجرد أن أصبح الضغط في الكابينة مطابقًا للخارج، كان ستيڤ وونج قادرًا على فتح المقبض الرئيس، ليتدفَّق نسيم المحيط الهادي إلى الداخل لطيفًا كقُبلة من الطبيعة الأم. على أنه بسبب ما تبين أنه عيب كبير في التصميم، بدأ ذلك المحيط الهادي نفسه في الانضمام إلينا داخل سفينتنا الصغيرة، وكانت رحلة آلان بين التاريخيَّة الثانية على وشك أن تصبح خزانة ديڤي چونز.
كانت آنا سريعة البديهة، فحاولت حماية أجهزة الآپل التي معنا، لكن ستيڤ وونج فقد جهازه السامسونج (الجالاكسي! ها!)، والذي اختفى في الجزء الأسفل من طاولة المعدات بينما دفعتنا مياه المحيط المرتفعة للخروج.
بعدها قام القارب النهاري القادم من فندق كاهالا هيلتون، الملئ بالغواصين الفضوليين، برفعنا من الماء، وأخبرنا متحدثو الإنجليزية منهم بأن رائحتنا مريعة، بينما ابتعد الأجانب عنا لمسافةٍ كبيرة.
بعد أن أخذت حمَّامًا وغيَّرت ملابسي، كنت قد بدأت في الاستمتاع بسلطة فواكه من زورق خشبي مزخرف في بوفيه الفندق، عندما جاءت سيدة لتسألني عما إذا كنت داخل ذلك الشيء الذي هبط من السماء. أجبتها بالإيجاب، لقد ذهبت إلى القمر وعدت بأمان إلى أرضنا العابسة، مثلي مثل آلان بين، فقالت في دهشة:
– «مَن؟!».

ترجمة: رضوى أشرف
إعداد: هشام فهمي

نُشرت ترجمة لمقال في صفحة المترجم على الرابط التالي

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s