ماكينة الخياطة

 

228150_153089664758951_117345288333389_329312_7375844_n.jpg

ليس من عادات والدي أن يوقظني من النوم مبكرا .. هو يعلم الصعوبه التى أواجهها في إيجاد ساعات النوم اليومي .. أعاني دائما من أرق يجعلني أظل ساهرا طوال الليل حتى الساعات البعيده من الفجر .. وأكتفي بساعات أربع أنامها يوميا .. ساعات أربع ليس إلا ..
لم أستطع أن أقاوم الرغبه في معرفه السبب وراء إيقاظه لي مبكرا وإلحاحه الغريب أن أنزل معه إلى قبو المنزل ..
قاومت النعاس الذي يتنازع مع عيني وجلست على طرف الفراش منتظرا أن أفيق من غفوتي ..
سمعت صوته ينادي بإسمي من الصاله القريبه .. فقمت ببطء .. مازال النعاس يغالبني .. ولكني وصلت إليه .. ونزلنا إلى القبو المغلق ..
أحسست أني أنزل سلالم كثيرة .. وكلما نزلت درجه زادت البرودة حولي .. وكأني أنزل إلى مباه محيط بارد .. وقفنا أمام باب القبو نحاول أن نفتحه .. اللعنه على تلك الأبواب القديمه .. ما إن تتركها مغلقه لمده قصيرةحتى تصدأ وتنكسر مفاتيحها بسهوله .. فترة قصيرة لا تتجاوز الـ 20 عاما ..
حاولنا عبثا فتح الباب المغلق بلا جدوى .. فأخبرت والدي أن ” مش مشكله نبقى نجيب نجار يفتحه بكرة وخلاص ”
لم يجاوبني ولكنه استمر في محاولاته لفتح باب القبو .. حتى نجح ..
لم أفهم ما سبب إصراره على دخول القبو القديم ؟
هل دخلت قبوا مغلق من قبل ؟
لا تتعب نفسك في التخيل !!
كان الهواء رطبا ..يحمل رائحه الأقبيه القديمه المعتاده .. لم يكن هناك سوى لمبتين صغيرتين تتدليان من السقف كعصفورين حكم عليهم بالإعدام شنقا .. في قبو قديم بارد ..
أغلقت عيني لوهله لكي أقاوم هذه النور المنبعث من اللمبتين .. وفتحتهما لأنظر إلى حائط القبو الذي يواجهني .. وهذه الكراكيب القديمه .. أنا أحب الكراكيب .. أحب تجميعها والاحتفاظ بها .. ربما ورثت هذه العادة من أبي دون أن أدري .. أحتفظ دائما بـ كُتب وجرائد نام على إثرها الدهر سنينا فقط لأننى أحب أن احتفظ بها ..
واحتفظ بكل ألبومات الصور الخاصة بأمي رحمها الله .. وكل متعلقاتها في غرفتها القديمه في المنزل ..
ولكن هذه الكراكيب ليست جرائد أو كتب قديمه ..
ما هذا .. علب شوكولاته قديمه .. أباجورة رخاميه .. صندوق أسود كبير من ذلك الذي تراه في الافلام القديمه .. حقيبه نسائية كبيره كتلك التى كانت تحملها ميرفت أمين في أفلام الثمانيناات ..
و ألبوم من الصور القديمه .. كُتب على غلافه ” زوجتي العزيزة – مصر 1990 ”
ماذا يحدث عندما تجد ألبوما من الصور القديمه يغلفه التراب .
لم أكترث باستئذان أبي للاحتفاظ بهذا الألبوم الذي يحتوي على صور أمي التى ماتت منذ زمن .. تصفحت بعض صوره و أغلقته ووضعته قرب باب القبو لألتقطه أثناء خروجي كي لا أنساه ..
التفت إلى أبي كي أسأله هل وجد ما يبحث عنه وسط هذا الحطام الزمني ؟
وجدته يتنقل بين الأشياء كأنه لا يدري عما يبحث ؟
هل تعلم تلك العلاقه التى تنشأ بينك وبين الجماد .. صداقه .. تعود .. ألفة .. لا تفهم ما هي بالظبط .. ولكنك تشعر أنك تفهم هذا الشئ الجماد وهو يفهمك .. معا أنتما رائعين .. كل منكما يكمل الآخر .. أحيانا أشعر به مع هذا الووكمان الصغير الذي أحتفظ به منذ طفولتى .. لم يعد يعمل جيدا .. ولكني أعرف كيف أجعله يعمل .. وأشتاق جدا لأيامنا سويا حين كانت الأغاني هي متعتنا الوحيدة تحت الغطاء الثقيل في ليالي الشتاءالباردة ..
ربما كان أبي يبحث عن أحد هذه الأشياء التى ارتبط بها في شبابه .. لست أدري .. لم اكن أعرف فيما كان يفكر هو عندما فتح باب القبو .. إن فتح الأبواب القديمه كفيل بأن يفتح عليك كل ذكريات الماضي .. وهي ليست كلها سعيده دائما .. لابد وأن يحتوى ماضيك على بعض الذكريات المؤلمه .. خاصه تلك التى تحتاج أبوابا لتختبئ خلفها ويغلفها التراب والسنين .. ربما كان يبحث عن ذكري ضائعة .. أو قصاصة من الماضي .. أو ربما ألبوم من الصور القديمه .. لست أدري ..
كان يلتفت بين الأشياء المبعثرة وهو يتمتم بكلمات لم أفهم كنهها .. نظرت إلى النقوش التى تزين الحائط .. ما الذي تفعله هذه النقوش على حائط قبو مغلق ؟
لم أفهم .. التفت إليه فوجدته يقف أمام شئ متوسط الحجم مغطي بملاءة بيضاء كبيرة .. أحسست بتردده الصامت .. احترمت صمته لبضع ثوانٍ .. ثم اقتربت منه ببطء .. فرفع يديه يخفي بها وجهه فتراجعت خطوة للوراء ..
ثم سألته بسرعه : هوا ايه دا يا بابا ؟
لم يجاوبني .. ولكنه استجمع شجاعته أخيرا .. ورفع الملاءة البيضاء .. ليظهر تحتها صندوق من الخشب الاحمر بأربع قوائم حديدية ..
حاولت التقدم معه لكنى لم أجد مجالا لذلك .. كان يفتح الصندوق في لهفه كأنه وجد مخطوطة إلى كهف الكنز .. أو أنه وجد الكنز نفسه ..
” دى مكنه خياطه ” ..
قلتها باستغراب .. وأنا أنظر إلى هذه الماكنيه القديمه .. يغلفها التراب وأكلها الصدأ بفعل عوامل الزمن .. والرطوبه ..
ما الذي تفعله هذه الماكينه هنا .. ولمن هي في الأساس ؟
لم تتجاوز كلماتي حدود عقلي ولكنه رفع عينيه إليّ ورأى ذلك التساؤل في عيني فأجابني
” دى مكنه الخياطة بتاعت أمك ”
فهمت الآن لما كل هذه الجلبه .. أوقظني من النوم كي يحضر هذه المكنه القديمه الخرقاء ..
اللعنه ..
كالعادة لم تتجاوز لعناتى حدود عقلي إلى لساني .. لذلك تجاهلت ما يدور في رأسي من أفكار .. وساعدته ففي رفع الصندوق الاحمر من مكانه .. وجدته يمسح التراب من علي الصندوق بيديه .. لا أدرى ما سر هذه اللهفه الغريبه على ماكينه خياطة باليه قديمه ..
كان يتمتم بكلمات لم أدري كنهها .. هؤلاء الكبار ما إن يتجاوزوا الخمسين يصبحون أصعب إلى الفهم من مسألة فيزيائية وضعها اينشتاين
تجاهلت ما أسمع و ساعدته في نقل الصندوق الأحمر إلى الخارج ونقلناه إلى اعلى الدرج .. ووضعناه في البيت فى مكان كان قد أعده سلفا لذلك ..
عدت إلى القبو سريعا كي أغلق بابه المفتوح .. أطفأت اللمبتين الصغيرتين .. التقطت ألبوم الصور .. وأغلقت الباب
لم يعد هناك مجال للنوم مرة أخرى بعدما أوقظني أبي .. طار النوم من عيني تماما .. خاصه وأنا أسمعه يفتح الصندوق الخشبي الأحمر ويبدأ في نشر محتوياته .. موتور صغير .. أجزاء من تروس صغيره .. وقطع من القماش .. وبالطبع تلك الماكينه القديمه ..
ظل منهمكا طوال اليوم .. معها .. كانت شغله الشاغل طوال اليوم .. احتاجت بعض قطع الغيار فنزل خصيصا ليشتريها .. تركته مشغولا بها .. ودخلت غرفتي .. حاولت أن أقتل الوقت فالتقطت ألبوم الصور .. وجلست على طرف الفراش أقلب فيه ..
لم أتفاجئ كثيرا من صور الألبوم .. بل وربما لم أكترث حتى بالسؤال عنها .. ألبوم من الصور يحتوي على 40 صورة وكعادة أبي يكتب على ظهر كل صورة تاريخها والمكان التى التقطت فيه هذه الصورة … 40 صورة أخذت كلها بكاميرا فوريه الطبع .. مازلت أحتفظ بهذه الكاميرا القديمه
هالنى ما رأيت .. كانت صور الألبوم منسقه بحرفيه .. وعلى ظهر كل صورة تاريخها والمكان الذى التقطت فيه هذه الصورة ..
كانت معظم الصور الموجودة لأمي وهي تجلس خلف ماكينه الخياطة تلك .. معظم الصور كانت تخيط شيئا او تقوم برصّ الخيوط الملونه على بكرات اعمودية رفيعه ..
انتهيت من تصفح الألبوم سريعا .. وخرجت مرة أخرى إلى الصاله الصغيرة حيث أبي ما زال يداعب طفلته الجديدة ..
لماذا تبحث عن الماضي دائما ؟
لأن فيه كل الدروس التى ممكن أن تتعلمها .. والأخطاء التى يمكنك أن تفعلها ثانية .. ولماذا أفعلها .. لأن هكذا أنت .. إن لم تفعل هذاا الخطأ فمن غيرك سيفعله .. هذاا قدر من يخطأون ليعيشوا الخطأ مرات كثيرة .. لا تشغل بالك .. المهم أن تعود إلى الماضي لا لكي تتعلم ولكن لكي تراه وتتلذذ به وبذكرياته السعيدة .. وتتألم منه ومن ذكرياته الأليمه ..
أعددت كوبين من القهوة ووضعت كوبه أمامه وجلست بجواره وهو ما زال منهمكا في إصلاح هذه الماكينه النحاسية .. راقبته وراقبت خطواته .. يرفع هذه الذراع مرتين لا بل مرة واحدة ثم يجذبها لأسفل ويحرك بقدميه ترس صغير فتتحرك الماكينه ..
” أمك اللى علمتنى ازاى أخيط هدومي ”
قالها وهو مندمج في عمله ولم يرفع رأسه إليّ ..
لم أجد من الكلمات ما أقوله له.. ربما كان يحن إلى أيامها .. ربما .. ولكنه كان سعيدا .. وهذا ما كان يريحني .. ابتسمت له وربت على كتفه وذهبت إلى غرفتي .. وقبل أن اغلق باب غرفتي نظرت إليه عبر الصالة .. و رأيتها .. كانت ابتسامه صغيرة تتسلل إلى ملامح وجهه لترتسم علي شفتيه .. قبل أن تتسع .. وتتسع .. وما تزال يديه تجري بسرعة على بكرة حديدية في جانب الماكينة القديمة .. ماكينة الخياطة..

إيهاب محمد

One thought on “ماكينة الخياطة

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s