تيمه النسيان

1-

 

لا أعرف الشخص الغريب ولا مآثره ، رأيت جنازة فـ مشيت خلف النعش مطأطأ الرأس احتراما … درويش

 

كانت جنازة كبيرة ، بعضهم كان يبكي ، والبعض كان يرثي ، والبعض يدعو ، و آخرون يقرأون آيات الموت على باب المقابر …

 

تأملت قليلا في هذا المشهد المهيب .. لذلك الصندوق الخشبي المحمول على الأعناق .. هذه الخشبه كما يقولون .. كيف هو في الداخل ؟   وماذا سأفعل فيه  ،، وماذا يفعل فيه ذلك الشخص الآن !؟

وماذا يفعلون هم ؟ لماذا يسرعون  ؟

انتبهت أن من يحملون الصندوق الخشبي يهرولون مسرعين … وكأن القبر يجرهم إليه جراً …

 

حقا يفعلون … ماذا لو لأنه لا يريد أن يذهب .. لو أنه يريد ان يبقى معهم .. سوف يقوم ويرفع غطاء ” الخشبه ” الآن ويصرخ فيهم … ” أريد أن ابقى قليلا ”  لماذا تسرعون !؟

 

أريد أن أرى ما لم أره فى الدنيا بعد ، وأن أفعل ما لم أفعله بعد ،، هناك الكثير من الوقت كي أفعل ، وسـأفعـــل …

لماذا تبكون ؟ أنا ما زلت معكم .. أنا هنا الآن …

 

– الشيخ سيد: انت بتعيط على الميت يامعلم شوشه ؟

– شوشه : ايوه ياشيخ سيد

– سيد: ليه هوا تعبان ولا جعان ولا يكونش بردان

ياعالم حرام عليكو بقى متضحكوش علينا الاموات ،، طب عليا الطلاق بالتلاته يوم ما اموت لأكون طالع من الخشبه ومطلع لكم لساني واضحك عليكوا .. يامعلم شوشة اللى بيموت بيرتاح وهوا عارف كدا بس احنا اللى لسه مش عارفين ….،

 

================

2-

التفت إلى آخر الجنازة الحزينه ،، نساء يسيرون مع البكاء .. متشحات بالسواد ،، فتيات صغار لا يعرفون ما الذي يحدث ، لكنهم يبكون أيضا ، إن الحزن لـ هو مرض معدي .. ينتقل للجميع فجـأة ،،

 

الموت لا يُوجع الموتى .. الموت يوجع الأحياء

 

===================

3-

وقفت قريبا من القبر .. هكذا تعلمت منذ صغري .. فى الموت أكبر عظة .. اقترب من القبر .. هل تري هذه الظلمة السوداء .. يوما ما سـتكــون بيتك حتى يوم البعث ..شعرت بالحزن .. هذا ما يحدث دائما عندما تذهب إلى المقابر .. تصاب بالحزن .. ترى الوجوم على الوجوه .. الناس تبكى والبعض يعظ .. ثم يذهبون إلى دنياهم تاركين الموتى كما هم .. فقط بعض الدموع … وينســـون .. هذا ما يحدث .. الكل ينسى …

 

للحظات توقفت قليلا انتظر أن تحدث معجزة ما .. أن ينفتح هذا الصندوق ويـطُل منه الجسد الميت ويخرج إلى الحياة مرة أخرى ..

سوف يخرج لكي يحدثهم عن البرزخ والطريق الذي يشع النور من آخره كألف سحابه بيضاء .. عن الباب الذي لم يدخله بعد .. إنه يحب هذه الحياه .. يحب ضحكاتها ولعبها .. وملذاتها .. لن يموت الآن .. هذا ليس يومه ..

 

 

– شوشه : مالك مبسوك كدا ليه ياشحاته افندي ؟

 

– شحاته : عندى الليله سهرة حلوة رايح لـ ست الحسن والجمال

 

– شوشه : آآآه ، ربنا يهديك

 

– شحاته : خليك كدا فقري هتعيش وتموت فقري

 

– شوشه : الحمد لله ياعم ، ربنا يكفينا شر الشيطان وغوايته ،، دانا مش بفوت صلاة غير لماا أدعى لربنا يكفيني شر الشيطان وغواية النفس ..

 

– شحاته : ربنا خلقنا في الدنيا عشان نتمتع بيها ونشوف هوا خلق ايه جميل ونحبه مش نقفل علينا بابنا ونموت بحرستنا ،، اسمع كلامي ومتدفنشي نفسك بالحيا ،

 

– شوشه : والموت ياشحاته أفندى ،، لما يجيلك فجأة ويلاقيك مشغول عنه بالدنيا

 

– شحاته : الموت جبان بيجيلك فجأة من غير ما يستأذن لأنه جبان .. عارف انت لو استنيته هيسيبك ومش هيجيلك غير لما ييجي أجلك وطول ماانت بتستناه هيسيبك فى عذابك وانت تخسر عمرك من غير ما تعيش حياتك وهوا يجيلك فى معاده من غير ما يقولك ،، انت حر ،، استناه بحسرتك لكن أنا مش هقعد استناه من غير ما أعيش حياتى واتمتع بيها ،، أنا مش همووت دلوقتى ،، مش النهاردة …

 

 

لن نموت هنا الآن .. التقيت بموت صغير وأهديته وردة .. فانحنى باحترام وقال : إذا ما اردتك يوما وجدتك …

 

=======================

4-

 

هنا تكون العظة من الموت ، أن تتذكر دائما أنك إلى زوال .. سوف تموت ولن يبقى منك سوى بعض التراب أو بعض الذكريات لأحبابك .. لو كنت محظوظا ،، مهما فعلت .. فدائما هناك نهاية .. هناك مخرج من هذه الحياة الفانيه البائسه ..،

 

إذا كنت حيا فأنت محظوظ لأنك لم تمت بعد لترى ما بعد الموت ،،

وإن كنت ميتا فأنت محظوظا لتعلم أن لم تعش يوما حياة حقيقية ، وأن هناك فرصه جديدة كي تحيا ثانيه ،،

 

المشكله انك فى الحالتين موجود .. فى الدنيا أنت موجود لتتعلم ولتعلم أنك هناك حياة ما بعد الموت .. وأيضا بعد الموت أنت موجود لترى أنك لم تفهم ما تعلمته وأنك ما زلت حيا … إنه فقط اختلاف مادي في تعريف الإنسان للحياة …. والموت …..

 

أنت تقف في المقابر .. تكلم من تفتقدهم .. تريدهم أن يكونوا معك في حياتك أنت ؟؟

لماذا لا تكون معهم أنت ؟؟ أهم ” الموتى ” مجبرون أن يعودوا لحياتك أنت البائسه ؟

حقا تخيل أنك تكلم الموتى وتقول لهم أريدكم معي ؟

فيقولون لك لماذا لا تكون أنت معنا ؟ أهناك اختلاف بين حياتك وحياتنا ؟؟!

 

على باب القبر .. أراهم .. يضعون الجسد الساكن .. ويخرجون .. يتركونه وحده في الظلمة .. هو يريدهم معه .. ولكنهم لا يريديون .. ليس الآن .. ليس في هذا اليوم على الأقل …

 

على باب القبر .. أنت تقف لـ تعتبر لنفسك .. تاخذ الدرس والعظة .. تقرر أنك لن تسمح للشيطان بغوايتك ثانيه .. لن تسمح له بغوايتك ابدا ..  ولن تسمح لنفسك أن تغويك إلى طريقه ابدا .. هذا ما تريده أن تفعله .. أنت لا تريد أن تكون وحيدا في هذا القبر .. لا تريد أن تمس النار عينيك ..

 

الآن ستخرج من هذه المقابر إلى الدنيا الصاخبه مرة أخرج … لتحارب نفسك .. وتحارب الشيطان ،،

 

أنت الآن قويا .. لأنك فهمت العظة من الموت واستوعبتها .. أنت ستحصن نفسك من الشيطان .. ستحاربه .. ستقتل الغوايه في نفسك

 

تترك المقابر بسوادها وأحزانها .. وتنظر إلى الشارع الصاخب .. كل هؤلاء .. لماذا يسرعون على الدنيا هكذا ؟

لماذا ينكبون على هذه الحياه البائسه ؟

إنهم مساكين حقا .. ألا يعلمون أن هذه الحياة ستنتهى .. حقا هناك نهايه لكل شئ .. هناك موت في آخر الطريق ..

 

تتوقف عيناك على فتاة صاخبه .. تتابعها ببصرك .. تعبر الشارع مسرعاً كي تلحق بها .. تتمعن فى جمالها الساحر الآخاذ .. عيناها الجميلتان … وذلك الشعر الذي يسبح مع الهواء .. ووو  …. وتنسى

 

و تنسى فجأة كل قراراتك عن حربك ضد الشيطان وغوايته .. لقد عدت مرة اخرى إلى الحياة الصاخبه .. بعيدا عن المقابر .. وبعيدا عن عظة الموت التى تعلمتها هناك … ولم يعد هناك مجالا للتراجع الآن …

 

هناك الكثير من الأشياء التى تريد ان تفعلها و لديك الوقت الكافي لكي تفعلها .. سوف تعيش في هذه الحياة مستمتعا بكل لحظة فيها .. وستنسى النهايه .. ستنسى العظة التى تعلمتها .. الظلمه السوداء في القبر .. ستنسى لأنك تريد أن تنسى ..،،، كي تعيش ،،

 

أنت الآن في وسط الشارع الصاخب .. هناك حياة ما في هذا الصخب المجنون الذي تراه ..

إنها حياة … وهذا ما تريده أنت .. أن تحيا .. لن تموت الآن .. ليس اليوم على الأقل ..

 

 

– المطيباتي : هوا فين شحاته ياشيخ سيد ؟

– الشيخ سيد : شحاته سبق على هناك

– المطيباتي : وهوا يعرف مكان الجنازة منين ؟

– الشيخ سيد: لا ماهو راح راكب … شحاته مات يامعلم .:(

 

 

 

 

 

المطيباتي : هي مهنة انتشرت فى أوائل القرن الماضي في مصر .. مطيباتي جنازات ..يرتدي بذلته السوداء ويلبس الفوطة الحمراء على وسطه – ويمسك في يده القمقم ويمشي أمام الجنازات من باب الافتخار حتى يزف الميت لمدفنه ..بعدها ينال نصف ريال من متعهد الجنازات ..

 

 

 

12-2-2013

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s