Sacred Trust

Originally posted on Steve McCurry's Blog:

There is no trust more sacred than the one the world holds with children.
There is no duty more important than ensuring that their rights are respected,
that their welfare is protected, that their lives are free from fear and want
and that they can grow up in peace.
– Kofi Annan

SAM_2957; Rajasthan, India; 05/2008, INDIA-11398. Girl carrying stone.  retouched_Ekaterina Savtsova 03/19/2015India

01647_14_esBurma

DSC_8662, Philippines, 01/2014, PHILIPPINES-10139NF4. A boy pushes a cart with wood. Retouched_Ekaterina Savtsova 2/9/2014Philippines

Hazaras, Kabul, Afghanistan, 2006, AFGHN-13034NF. A father helps his son make candy. MM7424_061007_11017 Confectionary factory, Kabul, Afghanistan, 2006. Pg 234. Untold: The Stories Behind the Photographs. retouched_Sonny Fabbri 11/14/2012Afghanistan

Child labor and poverty are inevitably bound together,
and if you continue to use the labor of children as the
treatment for the social disease of poverty,

you will have both poverty and child labor to the end of time.
 –  Grace Abbott

01844_12, Lavazza, Honduras, 2005, HONDURAS-10044NF3. A boy carrying sticks.  retouched_Ekaterina Savtsova 09/05/2014Honduras

Every gun that is made, every warship launched, every rocket fired signifies is, 
in the final sense, a theft from those who hunger and are not fed, those who are
cold and are not clothed.  This world in arms is not spending money alone.
It is spending the sweat of its…

View original 254 more words

COLORS OF ETHIOPIA

Originally posted on Steve McCurry's Blog:

Ours
Time-old
Highland of highlands
Ancient
Where all history ends
Where all rainbows meet…
Tsegaye Gabre-Medhin
Poet Laureate of Ethiopia
1936 – 2006

ETHIOPIA-10501 (1)

I knew that the English regarded themselves as civilized, 
 but it seemed to me that in many ways Ethiopia was a far more civilized place.
Catherine Hamlin, M.D. in The Hospital by the River : A Story Of Hope
Founder with her husband of Addis Ababa Fistula Hospital

ETHIOPIA-10328NF3 (2)

ETHIOPIA-10405 (3)

DSC_0017_sf (2)

 Ethiopia confounds every expectation
You arrive expecting a vast featureless desert and instead find yourself
overwhelmed by majestic landscapes and climatic abundance.
Ethiopia is a true revelation.
It is the most welcoming, enjoyable and
uplifting country I have ever visited.
– Philip Briggs, Ethiopa 

ETHIOPIA-10221

ETHIOPIA-10395 (2)

Ethiopia has always held a special place in my own imagination.
I felt I would be visiting my own genesis,
unearthing the roots of what made me an African.
– Nelson Mandela

ETHIOPIA-10108NF (1)

ETHIOPIA-10486NF3

ETHIOPIA-10212 (3)

ETHIOPIA-10124

Over the…

View original 228 more words

اثنان في المقهى

State of mind

هكذا يطلق عليها علماء علم النفس، هي حاله تنتاب الإنسان من وقت لآخر تجعله يفقد الشعور بالعالم المحيط به وتصبح الضوضاء المحيطة به موسيقى هادئة في الخلفية لأشياء تتحرك بدون صوت والألوان كأنها فقاعات من الغاز الصلب التى تظهر في عدسات المصورين. ينخفض ضغط دمك، يتسع بؤبؤ عينيك، تتباطئ ضربات القلب حتى أنك تستطيع أن تحصيها واحدة واحدة وتحسب الفارق ما بينهم، هكذا كنت اجلس طوال الطريق، أنظر إلى سواد الليل من نافذة قطار سريع تتساقط عليها قطرات المطر وهي ترسم خطوط رأسية متوازية. وصوت القطار يقطع سكون الليل المحيط به.

إن ركوب القطارات هو أفضل وسيلة كي تراقب الوقت وهو يمضي أمامك وأنت تنتظره أن يتوقف قليلا عند كل محطة عندما ترى منظر يمر مسرعا عبر النافذة وتريد أن تراه مره أخرى وتتمعن في تفاصيله أو تريده أن يجري سريعا كي تصل إلى محطتك. ولكنه لا يفعل في كل الأحوال.

أتذكر عندما كنت أقضي الكلية في القاهرة واستقل القطار كل أجازة لأقضيها في أسوان مع اهلي، كم تختلف القطارات! وكم احببت اختلافاتها، كنت أقضي الوقت في القطار أقرأ الكتب التى اشتريها ولا أجد وقتا لقراءتها، أما الآن فلا تكاد عيناي تفارقان النافذة التي غالبا ما تكون مغلقة بإحكام.. ما وراء النافذة عالم آخر.. أريد أن أعيشه، أن أعرفه، أو أقله أراه من خلف النافذة.

ظللت ساهما في الظلام وراء النافذة ولم ألاحظ توقف القطار إلا عندما تحركت الفقاعات الملونة أمام عيني وأحسست بحركة الراكب الجالس بجواري وهو يهِم بالنزول إلى المحطة.

آآه .. بييرنا، التوقف الأول، مازال هناك الكثير من الوقت حتى يصل القطار إل “برلين”، مضت ساعه منذ أن تحرك القطار من “براغ” وتبقت أربع ساعات، إنها الثانية صباحا والرحلة تستغرق خمس ساعات، كنت أعتقد أني سأنهار نائما على مقعد القطار بمجرد أن يتحرك، ولكني لم أفعل، ربما هو مفعول فنجاني القهوة في ساعه مبكرة من المساء مع “علياء” في ذلك المقهي الصغير قرب محطة القطار.

“يبدو أنها ستكون ليله طويلة”، تحركت نحو عربة المطعم في آخر القطار، كان المطعم خاليا بالطبع، من سيحتاج شيئا من المطعم في الثانية صباحا؟ عند ماكينة القهوة وضعت عملتين نقديتين وملأت الكوب، قهوة سوداء بلا إضافات فقط مكعب واحد من السكر، خرجت من المطعم متجها إلى مقعدي “العربة الثالثة المقعد 43″ آآه، كان القطار خاليا تقريبا، ربما كنت لأستقل قطار الحادية عشر من براغ، كان ليكون مليئا بالمسافرين من “براغ” إلى “برلين” ولكني لم أكن لأضيع فرصة أن أرى “علياء” مرة أخيرة قبل أن أعود إلى برلين، علياء.. صديقة الجامعة التى تحولت إلى حب حياتي الاول وانتهت حكايتنا قبل أن تبدأ.

تحرك القطار ليواصل رحلته إلى “برلين” وتحركت معه ذاكرتي إلى الماضي الذي لم أكن ابدأ قادرا على نسيانه، أراه يظهر بين حين و آخر فأنظر إلى الجهة الاخرى من الطريق أو إلى نافذة أخرى لكني لا أنظر إليه ابدا. نظرت إلى النافذة المغلقة وانا أرى انعكاس وجهي على الزجاج. مازالت عيناها الواسعه تمتلك سحرها، قصيرة كما رأيتها آخر مرة وإن كان الحذاء ذو الكعب العالي قد زاد من طولها قليلا، شيئ واحد تغير فيها، لم تعد محجبة، لوهلة لم أعرفها عندما رأيتها صباح الأمس..

لم أكن قد رأيتها منذ وقت طويل، من السنة الثالثة من الجامعه، عندما اخبرتني أنها ستسافر مع أبيها وستكمل دراستها بالخارج، سألتها عن السنوات الماضية في الجامعة! أخبرتني أن دراسة الإعلام في الخارج ربما تكون صعبه ولكنها ستكون “أحسن من هنا بكتير حتى عشان نبدأ على نضافة”.

قررنا ان نتقابل بعد المؤتمر، هي قادمة من واشنطن وأنا من برلين لكي نحضر نفس المؤتمر عن اللاجئين السوريين في براغ. جمعتنا الصدفة. لم أكن أعرف أنها قادمة ولم نكن نتحدث كثيرا منذ أن سافرت. تبادلنا بعض الرسائل الإليكترونية على فترات متباعدة حتى انقطعت رسائلنا تماما. ومعها أخبارها. أنهيت الجامعة وبدأت رحلتي نحو الدراسات العليا، لم أكن أريد أن انتظر كثيرا في هذا البلد حيث أصبح كل شيئ مزيفا حتى الضمير وكلمات الحق.

تناولت رشفة من القهوة السوداء وأنا أنظر إلى النافذة، كنت أعرف أن “بييرنا” هي مدينة أشجار الصنوبر، كان ذلك مكتوبا في دليل الرحلة المُلقي أمامي. انتبهت إلى الراكب الجديد بجواري فوجدتها فتاة شقراء تضع الهيدفون في أذنيها، جذابة ولكنها ليست كـ”علياء”.

تخيلت لو كانت القهوة بطعم الصنوبر؟ يالمرارة.

***

كانت قاعة المؤتمر مزدحمة بكثير من الجنسيات وكان علىّ أن ألتزم بالفوج المصاحب لي. انظر إلى كل هؤلاء السياسيين والصحفيين القادمين من بلاد العالم المتفرقة. لماذا تتعبون أنفسكم وتأتون لمناقشة أمور اللاجئين السوريين هنا في “براغ” المشكلة هناك في الشرق الأوسط، ربما من الأفضل أن نكون هناك بجوارهم هناك على ألا ننظر إلى صورهم بأسى ونذكرهم بدموع تزيد من الدراما أمام كاميرات الصحافة.

أفقت من شرودي في الزحام عندما وضعت يدها على كتفي، التفت لأجدها أمامي.. “علياء” لم ادرك أنها هي من اللحظة الأولى. ربما لأني لم أراها منذ وقت طويل، كما انها لم تعد محجبة كما كانت. وللحظات أخرى لم أدرى ماذا أقول؟ هي كذلك تركتني وتركت اللحظة كي تتوقف كي أتذكر.. ابتسمت: علياء!  فابتسمت هي .. كنت أشعر بمشاعر لا أدرى من أين أتت؟.. ربما كانت تجاهلي لها هذه السنوات قد أبقاها نائمة في أعماقي وما إن رأيتها حتى انفجر كل ما أبقيته مدفونا من الماضي في عقلي مرة أخرى.. تضاربت الكلمات على لساني مع مشاعري .. سعيد .. مضطرب .. متفاجئ .. مرتبك..

لم يكن سلامنا حارا من المفاجئة، أو ربما من صدمة المفاجئة. أحسسنا بالحركة من حولنا تزداد وكان علينا أن نسرق الكلمات قبل أن يسرقنا الوقت ويبدأ المؤتمر. لم يبدو أنها كانت مهتمة ببدء المؤتمر، سألتني عما أفعله هنا في “براغ”؟ فأجبتها أن هذا جزء من بحثي في السياسة الدولية” كانت الضوضاء حولنا تزداد، لم يبق من الوقت الكثير ليبدأ المؤتمر، اخبرتها أنني سارحل الليلة إلى برلين في قطار الحادية عشر مساءا” فقالت أنه يمكننا ان نتقابل بعد المؤتمر، هناك مقهي صغير بجانب المحطة ولن أتأخر على ميعاد القطار. اتفقنا على الموعد في المساء – ودعتها ببصري- إلى أن اختفت في زحام المؤتمر. بحثت عن الفوج المصاحب لي ووجدته، كنا مجموعة من دارسي العلوم السياسية نجلس في الصفوف الخلفية وكان مطلوب من رصد التطورات التى ستنتج هذا المؤتمر، كنا كذلك ولكني لم أكن، ظللت أفكر في “علياء” أردت ألا أفعل ولم أستطع. مازالت جميلة، لماذا تظهر في حياتي الآن؟ هل تزوجت؟ هل مازلت أحبها؟ لقد رحلت .. لست أدري. ربما كان القدر يصحح اخطاءه. ويبعث لي بفرصه ثانية. لست أدري.. لا يهم.. الليلة، سأراها،موعدنا في الثامنة في ذلك المقهي الصغير “مونولوك” بجوار محطة القطار.

***

  • أنت ايضا لا تستطيع النوم في القطار؟ مالت عليّ الفتاة التى تجلس بجواري وسألتني بالالمانية.. ليس من عادة الالمان أن يتدخلوا في شئون الآخرين، أنا أعيش معهم منذ عامين ولم يسألني أحد عن حياتي الشخصية من قبل. لم أكن في مزاج للكلام حقا فحاولت أن أغلق الحوار قبل أن يبدأ فأجبتها بالألمانية ” لا، ليس دائما. أنا فقط لا أريد النوم”
  • تفكر كثيرا!! … ابتسمت” ربما”.

ربما هو نوع من الود أو الثقة التي يبديها بعض الناس للغرباء، هذا النوع من الصداقات يسمى “صداقة القطار” يعرفه المسافرين في القطارات لمسافات طويلة.. أنت تحتاج إلى رفيق في الطريق.. وهو أيضا .. فما المانع أن تكونا رفيقين حتى تنتهي الرحلة.. خمس ساعات، مدة طويلة.. خاصة بعد الحوار الطويل مع “علياء”.. الحوار الذي امتص كل طاقة النوم من عينيك.

***

الثامنة وعشر دقائق.. لا اعرف إن كانت ستأتي أم لا؟ كان لابد ان اطلب منها رقم الموبايل، ربما كان من الأفضل ان نرتب لقائنا هاتفيا.. إن كل دقيقة تمر هنا في “مونولوك” تقلل من فرصتي في الجلوس معها مدة طويلة وتسرق من الوقت المتبقي حتى موعد القطار.

لن تأتي، ربما ولن.. أتذكر هذه السنوات كيف كنت أقضي الوقت بدون أن افكر بها، ربما كنت أقضي وقتي في القراءة الكثيرة، أو حفلات نادي الجاز الصغير في قلب القاهرة، حتى عندما انتقلت إلى المانيا، أول ما فعلته هو اننى بحثت عن أقرب نادي لموسيقي الجاز ووجدته، في ذلك الحي القديم في قلب برلين، هناك حيث أقضي معظم اوقاتي في غير وقت العمل والجامعة.

نظرت عبر نافذة المقهى الصغيرة إلى الشارع، أراقب وجوه المارين فيه، انتظرها أن تظهر، ربما نسيت موعدنا.. او ربما هي مشغوله الآن.. كثيرة هي الاحتمالات في قلب الانتظار.

***

كانت الساعه قد قاربت على الثالثة والنصف، ومازال في الرحلة ما يكفي لكوب آخر من القهوة.. استأذنت جارتي في المرور، ومشيت خطوات ثم عدت أدراجي أسالها ان كانت تريد شيئ من المطعم؟ وافقت بابتسامه خفيفة وطلبت مني كوب من اللبن الدافئ وأعطتني قطعتين نقديتين ثمنا له. وصلت إلى المطعم وأحضرت القهوة واللبن وعدت سريعا إلى العربه. ناولتها الكوب الدافئ شكرتني، وجلست بمقعدي أتناول القهوة في هدوء.. فكرت أن أخرج مذكرتي لأكتب بعض الملاحظات عن المؤتمر ولكني تكاسلت.. ربما عندما أصل إلى برلين قد أجد متسع من الوقت.. نظرت إلى نافذة القطار.. قطرات المطر تساقط بسيرالية على الزجاج الذي يكسوه رذاذ شبورة كثيف.. وبعض الأنوار البعيدة تظهر عبر النافذة كأنها نقاط ملونة على شاشة كبيرة، وأنا انظر إليهم من بعيد.. من خلف النافذة…

بجانب النافذة

في ركن المقهي البعيد جلست وحدي، دقت عقارب الساعة التاسعة ولم تأت.. انتهيت من القهوة الساخنة ونظرت مرة أخرى إلى النافذة.. بدأ المطر في النزول مرة أخرى، لم انتبه إلى صوت باب المقهي الصغير وهو يغلق وهي تدلف بخطوات سريعة داخل المقهي.. وضعت معطفها الأسود على المقعد وجلست على المقعد المقابل لي، نفخت في كفيها الصغيرتين تبعث فيهما بعض من الدفئ.. اعتذرت عن تأخرها وأنها لو كانت تعرف رقم الهاتف لكانت اتصلت بي واعتذرت ثانية.. أعطتني كارت صغير عليه أرقامها وطلبت مني رقمي هاتفي، أمليتها الرقم وأنا أنظر على وجنتيها اللتان يشعان باللون الأحمر.. عيناها الواسعتان، شعرها القصير.. لم اكن أعرف من أين أبدأ كلامي! كنت أريد أن اصرخ لها “كم افقتدتكِ” ولكن ربما هذا ليس وقت لهذا الكلام، سألتني عن أحوالي؟ أخبرتها أنه لا جديد.. رسالة الدكتوراه والكلية والعمل والمؤتمر.. لم يتغير شيئ منذ الصباح.

سألتها عن أحوالها في أمريكا: اخبرتني أنها منذ أن سافرت مع والدها قد واجهت صعوبات في التعايش مع إيقاع الحياة السريع هناك ولكنها كانت تريد أن تفعل..

أن تعتاد على الأجواء، خاصة تلك العدائية التي كانت تحاصرها لمجرد أنها فتاة مسلمة محجبة!

قطع حديثها الجرسون وهو يسألنا إن كان هناك ما يمكنه أن يقدمه لنا؟ طلبت قهوة فطلبت مثلها سوداء بمكعب سكر واحد.

سألتها باهتمام عما إذا كانت موجة الإسلاموفوبيا قد انحسرت في أمريكا؟ اخبرتني أن هذا ما يردده الإعلام فقط ولكن في الواقع أن نسبة التحرش بالمسلمين في الشرق الأمريكي قد بلغت حدا كبيرا وأن هذا جزءا من موضوع ستنشره قريبا في الجريدة التي تعمل بها. وإن كان هذا لم يمنعها أن تخلع الحجاب بعد عامين من الحياة هناك.

  • لم أكن أعرف أن شعرك قصير!
  • كان طويلا ولكني قصصته قبل السفر..

وضع الجرسون كوبين من القهوة أمامنا وترك طبق صغير عليه مكعبات السكر، اخذت مكعبين من السكر وأخذت أنا واحد وضعتها في كوبي. كنت انظر إلى الشارع عبر النافذة وكانت مشغولة بأكواب القهوة، لم أكن أعرف لماذا نتحاشى النظر إلى بعضنا؟ لماذا نتحاشى ان تلتقي عينانا؟ ربما كنا نعرف أنه لن يكون هناك شيئ ليحدث بعد هذه الليلة فلا داعي لإضاعة وقت في احاديث لأوهام لن تحدث..

ناولتني كوب القهوة وبدأت تتحدث عن الجامعة والعمل هناك وانها تحاول دائما أن تاخذ من الحياة كل تحدٍ ممكن، في السنة الأولي من السفر كانت مشكلتها هي مواعيد الكلية والعمل ولم يكن هناك وقت لأي شيئ آخر، كانا يلتهمان حياتها، لكنها كانت تسرق بعض الساعات من اليوم وتذهب إلى نادي صغير للجاز في الجامعة يديره مجموعة من العازفين المبتدئين وتقضي وقتها بين المحاضرات هناك.

أخبرتها أنني أيضا أذهب من حين لآخر أذهب إلى نادي صغير للجاز في برلين، رغم أن هذه المدينة ليست من محبي هذا النوع من الموسيقى، فلازالت موسيقى باخ السماوية تحتل مكانها في قلب برلين.

سرقنا الوقت، ولم يعد هناك منه الكثير، كانت الكلمات تسبقنا إلى الحديث، تعالت ضحكاتنا في المقهي الذي أوشك أن يصبح خاليا.. تذكرنا حكايات الجامعة والاصدقاء.. سألتني إن كنت مازلت على اتصال بأحد من أصدقائنا أيام الجامعة؟ اخبرتها أننى مازلت على اتصال ببعض الاصدقاء عن طريق الفيس بوك وأتابع ما يجري في مصر أحيانا ولكن” الدنيا تلاهي فعلا ومش فاضي كتير” هكذا دائما هو الحال، أيام الاسبوع كلها بها عمل ودراسة واحيانا أذهب في رحلة إلى “بون” في نهاية الاسبوع بالقطار مع بعض أصدقائنا الالمان.

بعثت ذكرياتنا القديمة شجون في أنفسنا، تذكرت كيف كانت أيامها وكم كانت جذابة دائما و فاتنة، استجمعت شجاعتي وسألتها عن حياتها العاطفية وإن كانت قد ارتبطت بأحد في الأعوام الماضية؟ أخبرتني بأن هذا ما حدث فعلا ولكنه لم يدوم طويلا.. كان والدها يريدها أن تتزوج وقد اخبرها أن قريبا لهم يعمل في السفارة المصرية في واشنطن قد تقدم لها. قالت أنها لم تكن تحاول أن تبدأ حياتها في هذا الوقت، لم تكن على استعداد أن تدخل في خضم علاقة ليس لها أساس قوي سوى معرفة عائلية قديمة أو ضغوط من والدها لأنها فتاة مسلمة وستحتاج دائما إلى حماية في هذا البلد الملئ بالعنصرية ضد العرب و المسلمين..

  • إذن، رفضتي!
  • في البداية رفضت تماما، ولكن مع إصرار والدي وافقت، وجدت الأمر مضجرا جدا.. المناسبات الدبلوماسية المملة والزيارات العائلية الكثيرة..
  • وااو، يبدو أن المصريين يحملون عاداتهم معهم حتى في واشنطن!
  • You have no idea
  • وماذا فعلتي؟
  • لم احتمل هذه السخافات الاجتماعية، واجهته وأخبرته ان عليه أن يتركني لأن هذا أقل ما يمكن أن يفعله رجل متحضر، لا يبحث عن مجرد واجهه لحفلات الدبلوماسية خاصته، وأخبرت والدي أنه قد انهى ارتباطه بي…

ابتلعت الكلمات وسألتها إن كان هذا هو السبب الحقيقي لانفصالها؟ أخبرتني انه ليس هناك سبب آخر.

لا أعرف، ربما لم تسبب اجابتها لي إحباط ولكن عليّ ايضا ألا أرفع آمالي في هذه الليلة كثيرا، ربما لن تتكرر ثانية..

نظرت إلى ساعتي وجدتها قد قاربت الحادية عشر إلا عشر دقائق ” القطار” مر الوقت سريعا..

سألتني: هل ستلحق بالقطار؟!

  • لست أدري…

تركت بعض النقود على الطاولة، وتناولت هي معطفها سريعا وارتدته وأخذت معطفي وخرجنا سريعا من المقهي، عبرنا الشارع نحو محطة القطار وكان الجو باردا حقا.. لم أكن أعتقد أنى سألحق بالقطار على أي حال هناك قطار دائما قطار آخر بعد منتصف الليل..

دخلنا إلى المحطة، لم أكن أعرف اتجاه الرصيف فسألت الشرطي عن اتجاهه فأجاب أن أنزل السلم إلى الرصيف رقم 9..

جرينا نحو السلم سريعا وهنا ارتفع صوت ساعه المحطة عن الساعه الحادية عشر بالظبط..قلت لنفسي أن القطار قد رحل بالفعل.. ولم يعد يجدي الجري في المحطة.. وصلنا الرصيف ونحن نلهث كان القطار قد غادر لتوه المحطة، نظرت لها وأنا أضحك.. فسألتنى وهي تلهث : علام تضحك؟

جلست على مقعد الرصيف وقلت لها: ” أن هذا اليوم به حدثت به الكثير من المفاجآت، أراكي فالمؤتمر مصادفة ويسرقنا الوقت والكلام ويفوتني القطار… يبدو أن هذه الليلة لن تنتهي..”

ضحكت ثم سألتني ” وماذا ستفعل؟ “

أجبتها سريعا” قطار بعد منتصف الليل إلى برلين، دائما هناك قطار بعد منتصف الليل”.

  • “سأدفع أنا ثمن التذكرة”
  • لماذا؟
  • لأنني كنت السبب في تأخرك عن موعد القطار..
  • لا، لن تفعلي. ثم إن تذكرة القطار هنا ثمنها مرتفع جدا.. لن تتحمليها..

أصرت فرفضت مرة ثانية، لم أدفع ثمن التذكرة الاولي، دفعتها الجامعه.. وانا سأتحمل ثمن التذكرة الثانية.. ليس في الأمر شيئ!

  • إذن نشترك في ثمن التذكرة. ولن أقبل رفضك..

رفعت يدي مستسلما، وذهبنا معا إلى شباك التذاكر في أعلى المحطة.. رفض موظف التذاكر أن يسترد تذكرة قطار الحادية عشر، كدت أضحك من منظر موظف التذاكر وهو يحتفظ بكل هدوئه في وجه “علياء” عندما أصرت أن استرد ثمن التذكرة، ولكنه أخبرها بكل هدوء أن هذه التذكرة أصبحت غير صالحة، وإن أرادت حقا الاستفادة بها فعليها أن تلتزم بمواعيد القطار.. جذبتها من يدها وقطعت تذكرة في قطار الساعة الواحدة صباحا، ودفعت هي نصف ثمن التذكرة. شكرت الرجل وانصرفنا.. وقفنا في منتصف المحطة لا نعرف ما هي الخطة التالية وماذا سنفعل؟

اعتذرت ثانية عن تأخيرها واستغراقها في الحديث حتى فاتني ميعاد القطار.. أخبرتها أن هذا الخطأ خطأي أنا ولم يكن عليّ أن أنسى..

  • وماذا سنفعل الآن؟
  • ربما أوصلك إلى الفندق وأعود إلى المحطة!
  • لا، لا نريد أن نجازف وتفوّت قطار الواحدة.. حينها ستكرهني حقا..
  • لن نخسر شيئا، ثم إن الفندق قريب من هنا..
  • لا، لنجلس في استراحة المحطة حتى موعد القطار..

امسكت بيدي وتمشينا سويا إلى الاستراحة..

برلين السادسة إلا خمس دقائق..

أبطأ القطار من سرعته وهو يدخل محطة برلين.. نظرت إلى جارتي الصغيرة فوجدتها نائمة، هززتها برفق في كتفها حتى فتحت عينيها.. أخبرتها أننا وصلنا إلى برلين..

وسيتوقف القطار… ……

يُتبع

###

آلان بين زائد أربعة

لإ

كتب توم هانكس

ترجمة: رضوى أشرف

إعداد: هشام فهمي

نُشِرَت فيThe New Yorker في 27 أكتوبر 2014


كما أثبت أربعتنا، كان السفر إلى القمر هذا العام أقل تعقيدًا عما كان عليه عام 1969، مع أن لا أحد يهتم بالمسألة برُمَّتها أصلًا. الذي حدث أننا كنا نشرب البيرة الباردة في فناء منزلي، والقمر هلال يبدو كظُفر أميرة رقيق واطئ جهة الغرب، عندما قلتُ لستيڤ وونج إنه إذا قام بتطويح مطرقةٍ -على سبيل المثال- بالقوَّة الكافية، فإن تلك المطرقة سوف تدور حول القمر بسرعة خمسمئة ألف ميل، ثم تعود إلى الأرض مرَّة أخرى مثل القوس الخشبي المُرتَد. أليس ذلك مذهلًا؟
يعمل ستيڤ وونج في أحد متاجر الأدوات المنزلية، لذلك يستطيع الحصول على المطارق بسهولة، وقد عرض عليَّ أن يأتيني ببعضها. تساءل زميله في العمل إم داش -الذي اختصر اسمه الهندي الأحمر الطويل ليصير كاسم أحد نجوم الراپ- كيف قد يتمكَّن أحدهم من إمساك مطرقة ساخنة لدرجة الاحمرار تَسقُط بسرعة ألف ميل في الساعة؛ بينما قالت آنا -التي تعمل في شيءٍ ما له علاقة بتصميم المواقع الإلكترونيَّة- إنه لن يكون هناك شيء نُمسكه أصلًا، لأن المطرقة ستحترق بالكامل كالنَّيزك، وكانت مُحِقَّة، وهذا بالإضافة إلى عدم اقتناعها بنظريتي الكونيَّة البسيطة التي تتلخَّص في ”الرمي – الانتظار – العودة“. دائمًا ما ينتاب آنا الشك حيال مشاريعي الفضائيَّة حسنة النوايا. تقول إنني دائم الكلام عن أپولو 13 ولونخود، إلى درجة جعلتني أبدأ في تزييف الحقائق لأبدو بمظهر الخبير، وهي مُحِقَّة في ذلك أيضًا.
أحتفظ بكل كتبي غير الخياليَّة على قارئي الكوبو الإلكتروني الذي لا يزيد حجمه عن حجم الجيب، ففتحت فصلًا من كتاب ”انسَ يا إيڤان: لماذا خسر الاتحاد السوڤييتي السباق إلى القمر“، والذي كتبه پروفسيور مهاجر يتمتَّع برأيٍ شديد التعنُّت. طبقًا له، ففي منتصف الستينات حاول السوڤييت التغلب على برنامج أپولو بأسلوبٍ مشابه، أي دون مدار أو هبوط، فقط بالصور. أرسل الشيوعيُّون مركبة فضائية بدون طيار، ووضعوا فيها ما يُعتَقَد أنه مانيكان في بذلة فضائية، لكن وقعت أخطاء كثيرة إلى درجة منعتهم من المحاولة مرة أخرى، ولو حتى باستخدام كلب. كاپوتنيك!
آنا نحيلة شديدة الذكاء، ومندفعة أكثر من أي فتاةٍ واعدتها (لمدة ثلاث أسابيع مُرهِقة)، وقد رأت تحديًّا في الأمر، وأرادت أن تنجح فيما فشل فيه الروس. سيكون هذا ممتعًا. قالت إننا سنذهب جميعًا، وكان القرار نهائيًّا.. لكن متى؟ اقترحتُ أن نجعل ميعاد الانطلاق متزامنًا مع الذكرى الخامسة والأربعين لرحلة أپولو 11، أشهر رحلة للفضاء في التاريخ، لكن الموعد لم يكن يصلح، لأن ستيڤ وونج كان لديه ميعاد مع طبيب الأسنان في الأسبوع الثالث من يوليو. ماذا عن نوڤمبر إذن، حين هبطت أپولو 12 في محيط العواصف، منذ خمسة وأربعين عامًا كذلك وإن كان 99% من أهل الأرض قد نسوا ذلك؟ كانت آنا إحدى وصيفات الشرف في حفل زفاف أختها في الأسبوع التالي للهالووين، لذلك اتفقنا على أن أفضل ميعاد للمهمة هو السبت السابع والعشرون من سبتمبر.
رواد الفضاء في حُقبة أپولو كان عليهم أن يقضوا آلاف الساعات في قيادة الطائرات النفاثة والحصول على شهادات الهندسة، وكان عليهم التدرب على الهروب من كوارث منصَّات الإطلاق بالانزلاق على كابلاتٍ طويلة إلى حيث الغُرف المبطَّنة الآمنة تحت الأرض، فكان عليهم أن يعرفوا قواعد الانزلاق. أما نحن فلم نفعل أيًّا من ذلك، على الرغم من قيامنا بتجربة طيران لمُعَزِّز المحرك الخاص بنا يوم عيد الرابع من يوليو في ممر السيارات الضخم الخاص بستيڤ وونج في أوكسنارد، آملين أن المرحلة الأولى التي تتم دون ملاحةٍ بشريَّة سوف تمرُّ دون أن يلاحظها أحد وسط كل تلك الألعاب الناريَّة. ولقد نجحت المهمة. اختفى الصاروخ، ويقوم حاليًّا بدورةٍ حول الأرض كلَّ تسعين دقيقة.. ودعني أقول بصراحة، موجِّهًا كلامي لعددٍ من المؤسسات الحكوميَّة، إنه سيحترق غالبًا دون أن يُسَبِّب أيَّ أذى عند معاودته دخول الغلاف الجوي بعد 12 إلى 14 شهرًا.
إم داش، الذي وُلِد في قرية جنوب الصحراء الكبرى، لديه مخ خارق، فقد تمكَّن أثناء دراسته الإعداديَّة، بإنجليزيته البسيطة، من الفوز بجائزة الاستحقاق في أحد معارض العلوم بتجربته عن المواد القابلة للاحتراق التي انتشرت سريعًا، ما أثار إعجاب الجميع. وبما أن عبارة ”عاد بالسلامة إلى الأرض“ توحي بامتلاكك درعًا حرارية تعمل جيدًا، فقد أصبح إم داش مسؤولًا عن هذا وعن كلِّ المسائل الناريَّة، بما في ذلك الانفجارات المسؤولة عن الأقفال المتفجِّرة الخاصة بمراحل انفصال السفينة. أما آنا فكانت مسؤولة عن الحساب: نسب الأحمال وميكانيكا المدارات وخلط الوقود والمعادلات المختلفة، تلك الأشياء التي أتظاهر بمعرفتها، بينما تصيبني في الواقع بالدوار.
مساهمتي كانت وحدة القيادة، وهي عبارة عن كرة ضيقة شبيهة بالمصباح قام بترقيعها أحد أقطاب مستزلمات أحواض السباحة كان عازمًا بشدَّة على دخول عالم أعمال الفضاء الخاصة ليجني بعض أرباح ناسا الكبيرة.. على أنه مات أثناء نومه قبل عيد ميلاده الرابع والتسعين، ووافقت زوجته/أرملته (الرابعة) على أن تبيعني الكبسولة مقابل مئة دولار، بشرط أن أُخرجها من مرآبها قبل نهاية الأسبوع. أطلقت على الكبسولة اسم آلان بين، على شرف طيار المركبة القمرية في رحلة أپولو 12، رابع رجل يمشي على القمر، والوحيد الذي قابلته ممن مشوا على القمر، وكان هذا في مطعم مكسيكي في هيوستن عام 1986. كان يدفع الحساب وهو مجهول كأنه جراَّح عظام أصلع، عندما صرختُ: ”ربَّاه! أنت آل بين!“.. يومها أعطاني توقيعه ورسم رائد فضاء صغيرًا فوق اسمه.
وبما أننا سنشارك نحن الأربعة في رحلة الدوران حول القمر، كان عليَّ أن أفسح مكانًا وأتخلَّص من الوزن الزائد داخل المركبة. لن يكون هناك اتصال بأي قاعدة، لذلك تخلصت من كلِّ وسائل الاتصال، واستبدلت كلَّ مسمار ومفصل ومشبك وتوصيلة بشريطٍ لاصق (اللفافة منه بثلاثة دولارات في متجر الأدوات المنزلية). دورة المياه كانت بها ستارة على سبيل الخصوصيَّة، فقد سمعت من مصدرٍ متمرِّس أن دخول الحمَّام في بيئة منعدمة الجاذبية يتطلَّب أن تتعرى بالكامل وتعطي لنفسك حوالي نصف ساعة، لذا كانت الخصوصيَّة ضروريَّة. كذلك استبدلت مقبض الكوَّة الخارجيَّة وقفله الإلكتروني الضخم بقابس من الفولاذ يحتوي على نافذةٍ كبيرة وباب يوصَد ذاتيًّا. في المساحة الفارغة، سيقوم ضغط الهواء داخل آلان بين بإغلاق الباب تمامًا. إنها فيزياء بسيطة.
عندما تُعلِن عن سفرك للقمر، يفترض الجميع رغبتك في الهبوط عليه، وأن تغرس العلم وتتقافز كالكنغر بسُدس جاذبيَّة الأرض، وتجمع بعض الصخور لتعود بها إلى الوطن؛ وكلها أشياء لم تكن في نيتنا. إننا سندور حول القمر، أما الهبوط عليه فشيء مختلف تمامًا، ناهيك عن الخروج إلى سطحه، فاختيار من منا نحن الأربعة سيخرج أولًا ليصبح صاحب أثر القدم الثالث عشر على سطح القمر كان ليُفضي إلى الشعور بالكثير من الحقد والحسد، وكان طاقمنا لينفصل قبل أن تنقضي ثوانٍ عشر.
استغرق تركيب المراحل الثلاث لسفينتنا الجميلة آلان بين يومين. قمنا بتخزين ألواح الجرانولا والمياه في عبواتٍ مضغوطة، ثم قمنا بضخ الأوكسچين السائل من أجل مرحلتي الدفع الأوليتين، والكيماويات القابلة للاشتعال من أجل الإطلاق الأولي للمحرك، ومن ثم سيقودنا صاروخنا الصغير إلى مغامرتنا القمرية. جاء أغلبية سكان أوكسنارد إلى ممر سيارات ستيڤ وونج ليُحَملِقوا في آلان بين، مع أن لا أحد منهم كان يعرف من هو آلان بين أو لِمَ سمينا الصاروخ باسمه. توسَّل الأطفال لأن نسمح لهم بأن يلقوا نظرة داخل المركبة، لكن لم يكن لدينا تأمين عليها.
ماذا تنتظرون؟ هل ستنطلقون قريبًا؟ شرحتُ لكلِّ مغفَّل كان يسمعني معنى نوافذ ومسارات الإطلاق، وأريتهم على تطبيق الموون فيز (المجاني) كيف علينا أن ندخل مدار القمر في اللحظة المناسبة تمامًا، وإلا فإن الجاذبيَّة القمريَّة سوف.. ما علينا! ها هو القمر! فلتوجِّه صاروخك نحوه ولتبدأ العرض.
بعد الخروج من برج الإطلاق بأربعٍ وعشرين ثانية كانت المرحلة الأولى تحترق بدون توقف، وكان تطبيق ماكس كيو (بـ99 سنتًا) يُظهرِنا ونحن نقوم بسحب ما يزيد على وزننا بنحو 11.8 مرَّة فوق مستوى البحر، وإن كنا لم نكن في حاجةٍ إلى الآيفون ليُخبرنا بذلك في الحقيقة.
كنا.. نقاتل.. محاولين.. التنفس.. بينما كانت آنا.. تصرخ ”ابتعد.. عن.. صدري!“، مع أن أحدًا لم يكن يجلس على صدرها. كانت هي في الواقع الجالسة فوقي، تُحَطِّمني فيما بدا شبيهًا برقصة يقوم بها لاعب هجوم في حِجري. ثم.. كابووم! انفجرت أقفال إم داش المزوَّدة بالديناميت، واشتعلت المرحلة الثانية كما هو مخطَّط. بعد دقيقة، بدأت كوكبة من الأتربة والعملات الفكة وبعض الأقلام في التحليق من خلف مقاعدنا، مشيرةً أن مرحى، لقد دخلنا المدار!
انعدام الوزن مسلٍّ كما تحسب بالضبط، ولكنه مزعج لبعض رواد الفضاء ممن يقضون ساعاتهم الأولى بالأعلى في القيء لسببٍ أجهله، كأنهم أسرفوا في الشراب في الحفل قبل الإقلاع. هذه واحدة من الحقائق التي لا تعلن عنها ناسا ولا تراها في مذكرات رجال الفضاء. بعد ثلاث دورات حول الأرض وبعد تأكدنا من قائمتنا الضرورية لباقي الرحلة، اسقرَّت معدة ستيڤ وونج أخيرًا، وفي مكان ما فوق أفريقيا فتحنا صمامات محركنا القمري، وبدأت المواد القابلة للاشتعال في تفاعلها الكيميائي السحري، ثم.. ڤوووش! كنا ننطلق نحو القمر بسرعة تبلغ سبعة أميال في الثانية، وفي النافذة كان كوكب الأرض يصغر ويصغر.
الأمريكيون الذين ذهبوا إلى القمر قبلنا كانت لديهم كومپيوترات بدائيَّة للغاية، فلم يتمكَّنوا من تلقي الإيميلات أو استخدام جوجل لحسم الجدالات، أما أجهزة الآيپاد التي أخذناها معنا فكانت مساحتها أكبر بسبعين بليون مرَّة من أجهزة عهد أپولو تلك وأكثر فائدة، خاصةً خلال فترات التوقف الهائلة التي مررنا بها، وقد استخدم إم داش جهازه لمشاهدة الموسم الرابع من Breaking Bad. التقطنا مئات من صور السِّيلفي بينما تظهر الأرض في النافذة، ثم لعبنا دورة تنس طاولة بدون طاولة معتمدين على كرة پينج پونج والمقعد الرئيس، وفازت بها آنا. بدأت العمل على المحركات في نظام الحركة، معدِّلًا آلان بين للحصول على مشاهد للنجوم الظاهرة في ضوء الشمس، مثل أنتاريس ونونكي والمجموعة الكروية إن چي سي 6333، والتي لايلمع أيٌّ منها بينما أنت في الأعلى وسطها.
الحدث الكبير خلال السفر إلى الفضاء المحيط بالقمر هو عبور طبقة الإكوجراسفير، وهي عبارة عن خط خفي مثل خط التوقيت الدولي، لكن بالنسبة لسفينة آلان بين كان أشبه بروبيكون. على هذه الجهة من المؤشرات، كانت جاذبية الأرض تجذبنا للخلف، تبطئ من تقدمنا، تدعونا للعودة إلى الوطن والعودة للحقائق المؤكدة لمنافع المياه والغلاف الجوي والمجال المغنطيسي. بمجرد عبورنا، تمسَّكت جاذبية القمر بنا، ليُطوِّقنا مجاله الفضي العتيق، ويهمس لنا أن أسرعوا أسرعوا أسرعوا لنُحدِّق في ذهول في وحشته رائعة الجمال.
وفي اللحظة نفسها التي بلغنا فيها تخوم القمر، كافأتنا آنا بطيور من الأوريجامي صنعتها من ورق الألومينيوم، فلصقناها بقمصاننا كأنها أجنحة الطيارين. وضعتُ آلان بين على نظام تحكم حراري سلبي شبيه بدرجة حرارة الشواء، وبدأت سفينتنا الفضائيَّة في الدوران على سيخٍ خفي كما لو أنها تقوم بتوزيع حرارة الشمس. ثم إننا أغلقنا الأنوار، وعلقنا كنزة على النافذة لنمنع ضوء الشمس من التسلل إلى الكابينة، وخلدنا إلى النوم وقد انعزل كلٌّ منا في زاوية مريحة من سفينتنا الفضائيَّة الصغيرة.
عندما أخبر الناس بأنني رأيت الجانب الآخر من القمر، غالبًا ما يقولون: ”تقصد الجانب المظلم؟“، كأنني واقع تحت تأثير تعويذة لدارث ڤيدر أو پينك فلويد. في الواقع، يحصل جانبا القمر على القدر نفسه من أشعة الشمس، فقط في وقتين مختلفين.
ولأن القمر كان ينشر ضوءه الشمعي على الرفاق في الوطن، كان علينا أن ننتظر الجزء الظليل على الجهة الأخرى. في ذلك الظلام، مع اختفاء ضوء الشمس والقمر يحجب انعكاس الكرة الأرضية، بدأت تحريك آلان بين قليلًا حتى أصبحت نافذتنا في مواجهة متوالية لانهائية من الزمن والفضاء، وهو مشهد جدير بشاشة IMAX: نجوم ثابتة مضاءة بألوانٍ من الأحمر والبرتقالي والأصفر والأخضر والأزرق والنيلي والبنفسجي، مجرتنا تمتد على مرأى العين كأنها سجادة بزُرقة الماس في مواجهة سواد كان من الممكن أن يكون مرعبًا لو لم يكن بهذا السِّحر.
ثم حلَّ النور فجأةً كأن إم داش ضغط زرًّا ما. عبثت بأجهزة التحكم قليلًا، ومن أسفلنا كان سطح القمر. واو! إنه مبهر بطريقة لا تستطيع أي كلمة أن توفيه حقه، مكان وعر لكن يحث على الكثير من الانبهار والرهبة. أظهر لنا تطبيق لوناتيكيت (99 سنتًا) اجتيازنا المسافة من الجنوب إلى الشمال، لكن عقولنا كانت تائهة في الفضاء. السطح فوضوي أشبه بخليج رمادي تثيره الرياح، حتى طابقته بدليل ”هذا قمرنا“ على جهاز الكوبو. كانت آلان بين تحلق على ارتفاع 153 كيلومترًا، أسرع من طلقة منطلقة من مسدس، وكان القمر ينسل بعيدًا بسرعةٍ شديدة. فوهة أوريسامي كانت تغطيها خطوط بيضاء وقد ظهرت على جانبها آثار لمنخفضات وأنهار عفا عليها الزمن. قسمنا فوهة دوفاي إلى نصفين، محققين تحولًا سريعًا من اثني عشر إلى ستة، بينما الحافة حادة شائكة كالموسى. أما مير موسكوفينس فكان بعيدًا فلم نقترب منه، وقد بدا شبيهًا بنسخة مصغرة من محيط العواصف، حيث كان آلان بين الحقيقي منذ أربعة عقود ونصف يمشي ويجمع الصخور ويلتقط الصور. رجل محظوظ.
لم تتمكَّن عقولنا من استيعاب المزيد، لذلك قامت أجهزة الآيفون بالتسجيل، وتوقَّفتُ عن مناداة الأماكن بأسمائها، على رغم ملاحظتي لكامپل وديألمبرت -وهما فوهتان صغيرتان متصلتان ببعضهما البعض- بينما كنا في طريقنا إلى الوطن مرورًا بقطب القمر الشمالي. كان ستيڤ وونج قد أعد أغنيَّة معينة ليُشغِّلها أثناء عودتنا إلى الأرض، لكنه كان قد اضطر لإعادة تشغيل البلوتوث على مشغِّل الموسيقى الخاص بآنا، وكان قد تأخَّر بعض الشيء على موعد تشغيلها. صرخ إم داش: ”شغِّليها! شغِّليها!“، بينما احتلَّت رقعة غارقة في الأزرق والأبيض –جزء من كل ما صنعناه من أنفسنا، من كل ما كنا عليه– الكون الأسود أعلى الأفق المدبب كالمنشار. توقعت أن تكون مقطوعة كلاسيكيَّة لفرانز چوزيف هيدن أو چورج هاريسون مثلاً، لكن بالله عليك Circle of Life من فيلم The Lion King لتوثِّق صعودنا من الوطن إلى قمر الجص هذا؟ حقًّا؟ أغنية من أغاني ديزني؟ لكن الألحان والكلمات ذات المعنى المزدوج جعلتني في الحقيقة أشعر باختناقٍ في حلقي، وبدأت الدموع في الانهمار على وجهي لتنضم لدموع الآخرين التي كانت تطفو في أرجاء آلان بين. عانقتني آنا كأنني لا أزال صاحبها. بكينا، بكينا جميعًا، وكنت لتفعل المثل لو كنت معنا.
العودة إلى الوطن كانت بمثابة خيبة أمل كبيرة، على الرغم من الاحتماليَّة (التي لم نعلنها) بأن نحترق بالكامل عند دخولنا الغلاف الجوي الأرضي كقمر تجسُّس صناعي عتيق في حدود عام 1962. بالطبع كنا جميعًا مسرورين لتمكُّننا من القيام بالرحلة واستهلاك ذاكرة هواتف الآيفون بالآي-صور. لكن بدأت أسئلة من قبيل ”ماذا سنفعل عند عودتنا بخلاف رفع كل هذه الصور على إنستاجرام؟“ في التردد.
إذا قابلت آل بين مرَّة أخرى، سأسأله كيف قضى حياته بعد أن عبر الإكوجراسفير مرَّتين. أيعاني من الشعور بالاكتئاب في فترة الظهيرة الهادئة بينما يدور العالم بلا توقف؟ هل سأشعر بالحزن أحيانًا لأنه لا يوجد شيء يضاهي روعة قسم دوفاي إلى نصفين؟ أعتقد هذا.
– «واو! كامشاتكا!»، صرخت آنا بينما بدأت درعنا الحرارية في التفتت إلى ملايين المذنبات بحجم الحبوب. كنا قد بدأنا في الانحناء فوق الدائرة القطبيَّة الشمالية وقد بدأت الجاذبيَّة تأمرنا نحن من صعدنا إلى أعلى بالنزول مرَّة أخرى. وعندما انفتحت المظلة، هزَّتنا آلان بين حتى النخاع، مسببة انفصال جهاز الموسيقى عن موقعه المثبت باللاصق ليصطدم برأس إم داش. وعندما هبطنا أخيرًا في أواهو، كان خيط من الدم ينساب من الجرح العميق بين حاجبيه. أعطته آنا منديلها، إذ خمِّن ما الذي نسينا أن نأخذه معنا في رحلتنا إلى القمر؟ للقراء الذين ينوون تقليدنا أقول: الضمَّادات.
وفي المرفأ –أي السقوط في المحيط، بدلًا من التحلل إلى پلازما– قام إم داش بتشغيل مشاعل الإنقاذ التي كان قد خبأها أسفل عدة الباراشوت. فتحت صمام تعديل الضغط مبكرًا، ولذلك بدأت العوادم الصادرة من جهاز حرق الوقود الزائد في دخول الكبسولة لتجعلنا نشعر بالغثيان أكثر.
وبمجرد أن أصبح الضغط في الكابينة مطابقًا للخارج، كان ستيڤ وونج قادرًا على فتح المقبض الرئيس، ليتدفَّق نسيم المحيط الهادي إلى الداخل لطيفًا كقُبلة من الطبيعة الأم. على أنه بسبب ما تبين أنه عيب كبير في التصميم، بدأ ذلك المحيط الهادي نفسه في الانضمام إلينا داخل سفينتنا الصغيرة، وكانت رحلة آلان بين التاريخيَّة الثانية على وشك أن تصبح خزانة ديڤي چونز.
كانت آنا سريعة البديهة، فحاولت حماية أجهزة الآپل التي معنا، لكن ستيڤ وونج فقد جهازه السامسونج (الجالاكسي! ها!)، والذي اختفى في الجزء الأسفل من طاولة المعدات بينما دفعتنا مياه المحيط المرتفعة للخروج.
بعدها قام القارب النهاري القادم من فندق كاهالا هيلتون، الملئ بالغواصين الفضوليين، برفعنا من الماء، وأخبرنا متحدثو الإنجليزية منهم بأن رائحتنا مريعة، بينما ابتعد الأجانب عنا لمسافةٍ كبيرة.
بعد أن أخذت حمَّامًا وغيَّرت ملابسي، كنت قد بدأت في الاستمتاع بسلطة فواكه من زورق خشبي مزخرف في بوفيه الفندق، عندما جاءت سيدة لتسألني عما إذا كنت داخل ذلك الشيء الذي هبط من السماء. أجبتها بالإيجاب، لقد ذهبت إلى القمر وعدت بأمان إلى أرضنا العابسة، مثلي مثل آلان بين، فقالت في دهشة:
– «مَن؟!».

ترجمة: رضوى أشرف
إعداد: هشام فهمي

نُشرت ترجمة لمقال في صفحة المترجم على الرابط التالي

https://www.facebook.com/Almutargem/photos/a.288575417946303.1073741833.266695856800926/534189023384940/?type=1&theater