Sacred Trust

Originally posted on Steve McCurry's Blog:

There is no trust more sacred than the one the world holds with children.
There is no duty more important than ensuring that their rights are respected,
that their welfare is protected, that their lives are free from fear and want
and that they can grow up in peace.
– Kofi Annan

SAM_2957; Rajasthan, India; 05/2008, INDIA-11398. Girl carrying stone.  retouched_Ekaterina Savtsova 03/19/2015India

01647_14_esBurma

DSC_8662, Philippines, 01/2014, PHILIPPINES-10139NF4. A boy pushes a cart with wood. Retouched_Ekaterina Savtsova 2/9/2014Philippines

Hazaras, Kabul, Afghanistan, 2006, AFGHN-13034NF. A father helps his son make candy. MM7424_061007_11017 Confectionary factory, Kabul, Afghanistan, 2006. Pg 234. Untold: The Stories Behind the Photographs. retouched_Sonny Fabbri 11/14/2012Afghanistan

Child labor and poverty are inevitably bound together,
and if you continue to use the labor of children as the
treatment for the social disease of poverty,

you will have both poverty and child labor to the end of time.
 –  Grace Abbott

01844_12, Lavazza, Honduras, 2005, HONDURAS-10044NF3. A boy carrying sticks.  retouched_Ekaterina Savtsova 09/05/2014Honduras

Every gun that is made, every warship launched, every rocket fired signifies is, 
in the final sense, a theft from those who hunger and are not fed, those who are
cold and are not clothed.  This world in arms is not spending money alone.
It is spending the sweat of its…

View original 254 more words

COLORS OF ETHIOPIA

Originally posted on Steve McCurry's Blog:

Ours
Time-old
Highland of highlands
Ancient
Where all history ends
Where all rainbows meet…
Tsegaye Gabre-Medhin
Poet Laureate of Ethiopia
1936 – 2006

ETHIOPIA-10501 (1)

I knew that the English regarded themselves as civilized, 
 but it seemed to me that in many ways Ethiopia was a far more civilized place.
Catherine Hamlin, M.D. in The Hospital by the River : A Story Of Hope
Founder with her husband of Addis Ababa Fistula Hospital

ETHIOPIA-10328NF3 (2)

ETHIOPIA-10405 (3)

DSC_0017_sf (2)

 Ethiopia confounds every expectation
You arrive expecting a vast featureless desert and instead find yourself
overwhelmed by majestic landscapes and climatic abundance.
Ethiopia is a true revelation.
It is the most welcoming, enjoyable and
uplifting country I have ever visited.
– Philip Briggs, Ethiopa 

ETHIOPIA-10221

ETHIOPIA-10395 (2)

Ethiopia has always held a special place in my own imagination.
I felt I would be visiting my own genesis,
unearthing the roots of what made me an African.
– Nelson Mandela

ETHIOPIA-10108NF (1)

ETHIOPIA-10486NF3

ETHIOPIA-10212 (3)

ETHIOPIA-10124

Over the…

View original 228 more words

اثنان في المقهى

State of mind

هكذا يطلق عليها علماء علم النفس، هي حاله تنتاب الإنسان من وقت لآخر تجعله يفقد الشعور بالعالم المحيط به وتصبح الضوضاء المحيطة به موسيقى هادئة في الخلفية لأشياء تتحرك بدون صوت والألوان كأنها فقاعات من الغاز الصلب التى تظهر في عدسات المصورين. ينخفض ضغط دمك، يتسع بؤبؤ عينيك، تتباطئ ضربات القلب حتى أنك تستطيع أن تحصيها واحدة واحدة وتحسب الفارق ما بينهم، هكذا كنت اجلس طوال الطريق، أنظر إلى سواد الليل من نافذة قطار سريع تتساقط عليها قطرات المطر وهي ترسم خطوط رأسية متوازية. وصوت القطار يقطع سكون الليل المحيط به.

إن ركوب القطارات هو أفضل وسيلة كي تراقب الوقت وهو يمضي أمامك وأنت تنتظره أن يتوقف قليلا عند كل محطة عندما ترى منظر يمر مسرعا عبر النافذة وتريد أن تراه مره أخرى وتتمعن في تفاصيله أو تريده أن يجري سريعا كي تصل إلى محطتك. ولكنه لا يفعل في كل الأحوال.

أتذكر عندما كنت أقضي الكلية في القاهرة واستقل القطار كل أجازة لأقضيها في أسوان مع اهلي، كم تختلف القطارات! وكم احببت اختلافاتها، كنت أقضي الوقت في القطار أقرأ الكتب التى اشتريها ولا أجد وقتا لقراءتها، أما الآن فلا تكاد عيناي تفارقان النافذة التي غالبا ما تكون مغلقة بإحكام.. ما وراء النافذة عالم آخر.. أريد أن أعيشه، أن أعرفه، أو أقله أراه من خلف النافذة.

ظللت ساهما في الظلام وراء النافذة ولم ألاحظ توقف القطار إلا عندما تحركت الفقاعات الملونة أمام عيني وأحسست بحركة الراكب الجالس بجواري وهو يهِم بالنزول إلى المحطة.

آآه .. بييرنا، التوقف الأول، مازال هناك الكثير من الوقت حتى يصل القطار إل “برلين”، مضت ساعه منذ أن تحرك القطار من “براغ” وتبقت أربع ساعات، إنها الثانية صباحا والرحلة تستغرق خمس ساعات، كنت أعتقد أني سأنهار نائما على مقعد القطار بمجرد أن يتحرك، ولكني لم أفعل، ربما هو مفعول فنجاني القهوة في ساعه مبكرة من المساء مع “علياء” في ذلك المقهي الصغير قرب محطة القطار.

“يبدو أنها ستكون ليله طويلة”، تحركت نحو عربة المطعم في آخر القطار، كان المطعم خاليا بالطبع، من سيحتاج شيئا من المطعم في الثانية صباحا؟ عند ماكينة القهوة وضعت عملتين نقديتين وملأت الكوب، قهوة سوداء بلا إضافات فقط مكعب واحد من السكر، خرجت من المطعم متجها إلى مقعدي “العربة الثالثة المقعد 43” آآه، كان القطار خاليا تقريبا، ربما كنت لأستقل قطار الحادية عشر من براغ، كان ليكون مليئا بالمسافرين من “براغ” إلى “برلين” ولكني لم أكن لأضيع فرصة أن أرى “علياء” مرة أخيرة قبل أن أعود إلى برلين، علياء.. صديقة الجامعة التى تحولت إلى حب حياتي الاول وانتهت حكايتنا قبل أن تبدأ.

تحرك القطار ليواصل رحلته إلى “برلين” وتحركت معه ذاكرتي إلى الماضي الذي لم أكن ابدأ قادرا على نسيانه، أراه يظهر بين حين و آخر فأنظر إلى الجهة الاخرى من الطريق أو إلى نافذة أخرى لكني لا أنظر إليه ابدا. نظرت إلى النافذة المغلقة وانا أرى انعكاس وجهي على الزجاج. مازالت عيناها الواسعه تمتلك سحرها، قصيرة كما رأيتها آخر مرة وإن كان الحذاء ذو الكعب العالي قد زاد من طولها قليلا، شيئ واحد تغير فيها، لم تعد محجبة، لوهلة لم أعرفها عندما رأيتها صباح الأمس..

لم أكن قد رأيتها منذ وقت طويل، من السنة الثالثة من الجامعه، عندما اخبرتني أنها ستسافر مع أبيها وستكمل دراستها بالخارج، سألتها عن السنوات الماضية في الجامعة! أخبرتني أن دراسة الإعلام في الخارج ربما تكون صعبه ولكنها ستكون “أحسن من هنا بكتير حتى عشان نبدأ على نضافة”.

قررنا ان نتقابل بعد المؤتمر، هي قادمة من واشنطن وأنا من برلين لكي نحضر نفس المؤتمر عن اللاجئين السوريين في براغ. جمعتنا الصدفة. لم أكن أعرف أنها قادمة ولم نكن نتحدث كثيرا منذ أن سافرت. تبادلنا بعض الرسائل الإليكترونية على فترات متباعدة حتى انقطعت رسائلنا تماما. ومعها أخبارها. أنهيت الجامعة وبدأت رحلتي نحو الدراسات العليا، لم أكن أريد أن انتظر كثيرا في هذا البلد حيث أصبح كل شيئ مزيفا حتى الضمير وكلمات الحق.

تناولت رشفة من القهوة السوداء وأنا أنظر إلى النافذة، كنت أعرف أن “بييرنا” هي مدينة أشجار الصنوبر، كان ذلك مكتوبا في دليل الرحلة المُلقي أمامي. انتبهت إلى الراكب الجديد بجواري فوجدتها فتاة شقراء تضع الهيدفون في أذنيها، جذابة ولكنها ليست كـ”علياء”.

تخيلت لو كانت القهوة بطعم الصنوبر؟ يالمرارة.

***

كانت قاعة المؤتمر مزدحمة بكثير من الجنسيات وكان علىّ أن ألتزم بالفوج المصاحب لي. انظر إلى كل هؤلاء السياسيين والصحفيين القادمين من بلاد العالم المتفرقة. لماذا تتعبون أنفسكم وتأتون لمناقشة أمور اللاجئين السوريين هنا في “براغ” المشكلة هناك في الشرق الأوسط، ربما من الأفضل أن نكون هناك بجوارهم هناك على ألا ننظر إلى صورهم بأسى ونذكرهم بدموع تزيد من الدراما أمام كاميرات الصحافة.

أفقت من شرودي في الزحام عندما وضعت يدها على كتفي، التفت لأجدها أمامي.. “علياء” لم ادرك أنها هي من اللحظة الأولى. ربما لأني لم أراها منذ وقت طويل، كما انها لم تعد محجبة كما كانت. وللحظات أخرى لم أدرى ماذا أقول؟ هي كذلك تركتني وتركت اللحظة كي تتوقف كي أتذكر.. ابتسمت: علياء!  فابتسمت هي .. كنت أشعر بمشاعر لا أدرى من أين أتت؟.. ربما كانت تجاهلي لها هذه السنوات قد أبقاها نائمة في أعماقي وما إن رأيتها حتى انفجر كل ما أبقيته مدفونا من الماضي في عقلي مرة أخرى.. تضاربت الكلمات على لساني مع مشاعري .. سعيد .. مضطرب .. متفاجئ .. مرتبك..

لم يكن سلامنا حارا من المفاجئة، أو ربما من صدمة المفاجئة. أحسسنا بالحركة من حولنا تزداد وكان علينا أن نسرق الكلمات قبل أن يسرقنا الوقت ويبدأ المؤتمر. لم يبدو أنها كانت مهتمة ببدء المؤتمر، سألتني عما أفعله هنا في “براغ”؟ فأجبتها أن هذا جزء من بحثي في السياسة الدولية” كانت الضوضاء حولنا تزداد، لم يبق من الوقت الكثير ليبدأ المؤتمر، اخبرتها أنني سارحل الليلة إلى برلين في قطار الحادية عشر مساءا” فقالت أنه يمكننا ان نتقابل بعد المؤتمر، هناك مقهي صغير بجانب المحطة ولن أتأخر على ميعاد القطار. اتفقنا على الموعد في المساء – ودعتها ببصري- إلى أن اختفت في زحام المؤتمر. بحثت عن الفوج المصاحب لي ووجدته، كنا مجموعة من دارسي العلوم السياسية نجلس في الصفوف الخلفية وكان مطلوب من رصد التطورات التى ستنتج هذا المؤتمر، كنا كذلك ولكني لم أكن، ظللت أفكر في “علياء” أردت ألا أفعل ولم أستطع. مازالت جميلة، لماذا تظهر في حياتي الآن؟ هل تزوجت؟ هل مازلت أحبها؟ لقد رحلت .. لست أدري. ربما كان القدر يصحح اخطاءه. ويبعث لي بفرصه ثانية. لست أدري.. لا يهم.. الليلة، سأراها،موعدنا في الثامنة في ذلك المقهي الصغير “مونولوك” بجوار محطة القطار.

***

  • أنت ايضا لا تستطيع النوم في القطار؟ مالت عليّ الفتاة التى تجلس بجواري وسألتني بالالمانية.. ليس من عادة الالمان أن يتدخلوا في شئون الآخرين، أنا أعيش معهم منذ عامين ولم يسألني أحد عن حياتي الشخصية من قبل. لم أكن في مزاج للكلام حقا فحاولت أن أغلق الحوار قبل أن يبدأ فأجبتها بالألمانية ” لا، ليس دائما. أنا فقط لا أريد النوم”
  • تفكر كثيرا!! … ابتسمت” ربما”.

ربما هو نوع من الود أو الثقة التي يبديها بعض الناس للغرباء، هذا النوع من الصداقات يسمى “صداقة القطار” يعرفه المسافرين في القطارات لمسافات طويلة.. أنت تحتاج إلى رفيق في الطريق.. وهو أيضا .. فما المانع أن تكونا رفيقين حتى تنتهي الرحلة.. خمس ساعات، مدة طويلة.. خاصة بعد الحوار الطويل مع “علياء”.. الحوار الذي امتص كل طاقة النوم من عينيك.

***

الثامنة وعشر دقائق.. لا اعرف إن كانت ستأتي أم لا؟ كان لابد ان اطلب منها رقم الموبايل، ربما كان من الأفضل ان نرتب لقائنا هاتفيا.. إن كل دقيقة تمر هنا في “مونولوك” تقلل من فرصتي في الجلوس معها مدة طويلة وتسرق من الوقت المتبقي حتى موعد القطار.

لن تأتي، ربما ولن.. أتذكر هذه السنوات كيف كنت أقضي الوقت بدون أن افكر بها، ربما كنت أقضي وقتي في القراءة الكثيرة، أو حفلات نادي الجاز الصغير في قلب القاهرة، حتى عندما انتقلت إلى المانيا، أول ما فعلته هو اننى بحثت عن أقرب نادي لموسيقي الجاز ووجدته، في ذلك الحي القديم في قلب برلين، هناك حيث أقضي معظم اوقاتي في غير وقت العمل والجامعة.

نظرت عبر نافذة المقهى الصغيرة إلى الشارع، أراقب وجوه المارين فيه، انتظرها أن تظهر، ربما نسيت موعدنا.. او ربما هي مشغوله الآن.. كثيرة هي الاحتمالات في قلب الانتظار.

***

كانت الساعه قد قاربت على الثالثة والنصف، ومازال في الرحلة ما يكفي لكوب آخر من القهوة.. استأذنت جارتي في المرور، ومشيت خطوات ثم عدت أدراجي أسالها ان كانت تريد شيئ من المطعم؟ وافقت بابتسامه خفيفة وطلبت مني كوب من اللبن الدافئ وأعطتني قطعتين نقديتين ثمنا له. وصلت إلى المطعم وأحضرت القهوة واللبن وعدت سريعا إلى العربه. ناولتها الكوب الدافئ شكرتني، وجلست بمقعدي أتناول القهوة في هدوء.. فكرت أن أخرج مذكرتي لأكتب بعض الملاحظات عن المؤتمر ولكني تكاسلت.. ربما عندما أصل إلى برلين قد أجد متسع من الوقت.. نظرت إلى نافذة القطار.. قطرات المطر تساقط بسيرالية على الزجاج الذي يكسوه رذاذ شبورة كثيف.. وبعض الأنوار البعيدة تظهر عبر النافذة كأنها نقاط ملونة على شاشة كبيرة، وأنا انظر إليهم من بعيد.. من خلف النافذة…

بجانب النافذة

في ركن المقهي البعيد جلست وحدي، دقت عقارب الساعة التاسعة ولم تأت.. انتهيت من القهوة الساخنة ونظرت مرة أخرى إلى النافذة.. بدأ المطر في النزول مرة أخرى، لم انتبه إلى صوت باب المقهي الصغير وهو يغلق وهي تدلف بخطوات سريعة داخل المقهي.. وضعت معطفها الأسود على المقعد وجلست على المقعد المقابل لي، نفخت في كفيها الصغيرتين تبعث فيهما بعض من الدفئ.. اعتذرت عن تأخرها وأنها لو كانت تعرف رقم الهاتف لكانت اتصلت بي واعتذرت ثانية.. أعطتني كارت صغير عليه أرقامها وطلبت مني رقمي هاتفي، أمليتها الرقم وأنا أنظر على وجنتيها اللتان يشعان باللون الأحمر.. عيناها الواسعتان، شعرها القصير.. لم اكن أعرف من أين أبدأ كلامي! كنت أريد أن اصرخ لها “كم افقتدتكِ” ولكن ربما هذا ليس وقت لهذا الكلام، سألتني عن أحوالي؟ أخبرتها أنه لا جديد.. رسالة الدكتوراه والكلية والعمل والمؤتمر.. لم يتغير شيئ منذ الصباح.

سألتها عن أحوالها في أمريكا: اخبرتني أنها منذ أن سافرت مع والدها قد واجهت صعوبات في التعايش مع إيقاع الحياة السريع هناك ولكنها كانت تريد أن تفعل..

أن تعتاد على الأجواء، خاصة تلك العدائية التي كانت تحاصرها لمجرد أنها فتاة مسلمة محجبة!

قطع حديثها الجرسون وهو يسألنا إن كان هناك ما يمكنه أن يقدمه لنا؟ طلبت قهوة فطلبت مثلها سوداء بمكعب سكر واحد.

سألتها باهتمام عما إذا كانت موجة الإسلاموفوبيا قد انحسرت في أمريكا؟ اخبرتني أن هذا ما يردده الإعلام فقط ولكن في الواقع أن نسبة التحرش بالمسلمين في الشرق الأمريكي قد بلغت حدا كبيرا وأن هذا جزءا من موضوع ستنشره قريبا في الجريدة التي تعمل بها. وإن كان هذا لم يمنعها أن تخلع الحجاب بعد عامين من الحياة هناك.

  • لم أكن أعرف أن شعرك قصير!
  • كان طويلا ولكني قصصته قبل السفر..

وضع الجرسون كوبين من القهوة أمامنا وترك طبق صغير عليه مكعبات السكر، اخذت مكعبين من السكر وأخذت أنا واحد وضعتها في كوبي. كنت انظر إلى الشارع عبر النافذة وكانت مشغولة بأكواب القهوة، لم أكن أعرف لماذا نتحاشى النظر إلى بعضنا؟ لماذا نتحاشى ان تلتقي عينانا؟ ربما كنا نعرف أنه لن يكون هناك شيئ ليحدث بعد هذه الليلة فلا داعي لإضاعة وقت في احاديث لأوهام لن تحدث..

ناولتني كوب القهوة وبدأت تتحدث عن الجامعة والعمل هناك وانها تحاول دائما أن تاخذ من الحياة كل تحدٍ ممكن، في السنة الأولي من السفر كانت مشكلتها هي مواعيد الكلية والعمل ولم يكن هناك وقت لأي شيئ آخر، كانا يلتهمان حياتها، لكنها كانت تسرق بعض الساعات من اليوم وتذهب إلى نادي صغير للجاز في الجامعة يديره مجموعة من العازفين المبتدئين وتقضي وقتها بين المحاضرات هناك.

أخبرتها أنني أيضا أذهب من حين لآخر أذهب إلى نادي صغير للجاز في برلين، رغم أن هذه المدينة ليست من محبي هذا النوع من الموسيقى، فلازالت موسيقى باخ السماوية تحتل مكانها في قلب برلين.

سرقنا الوقت، ولم يعد هناك منه الكثير، كانت الكلمات تسبقنا إلى الحديث، تعالت ضحكاتنا في المقهي الذي أوشك أن يصبح خاليا.. تذكرنا حكايات الجامعة والاصدقاء.. سألتني إن كنت مازلت على اتصال بأحد من أصدقائنا أيام الجامعة؟ اخبرتها أننى مازلت على اتصال ببعض الاصدقاء عن طريق الفيس بوك وأتابع ما يجري في مصر أحيانا ولكن” الدنيا تلاهي فعلا ومش فاضي كتير” هكذا دائما هو الحال، أيام الاسبوع كلها بها عمل ودراسة واحيانا أذهب في رحلة إلى “بون” في نهاية الاسبوع بالقطار مع بعض أصدقائنا الالمان.

بعثت ذكرياتنا القديمة شجون في أنفسنا، تذكرت كيف كانت أيامها وكم كانت جذابة دائما و فاتنة، استجمعت شجاعتي وسألتها عن حياتها العاطفية وإن كانت قد ارتبطت بأحد في الأعوام الماضية؟ أخبرتني بأن هذا ما حدث فعلا ولكنه لم يدوم طويلا.. كان والدها يريدها أن تتزوج وقد اخبرها أن قريبا لهم يعمل في السفارة المصرية في واشنطن قد تقدم لها. قالت أنها لم تكن تحاول أن تبدأ حياتها في هذا الوقت، لم تكن على استعداد أن تدخل في خضم علاقة ليس لها أساس قوي سوى معرفة عائلية قديمة أو ضغوط من والدها لأنها فتاة مسلمة وستحتاج دائما إلى حماية في هذا البلد الملئ بالعنصرية ضد العرب و المسلمين..

  • إذن، رفضتي!
  • في البداية رفضت تماما، ولكن مع إصرار والدي وافقت، وجدت الأمر مضجرا جدا.. المناسبات الدبلوماسية المملة والزيارات العائلية الكثيرة..
  • وااو، يبدو أن المصريين يحملون عاداتهم معهم حتى في واشنطن!
  • You have no idea
  • وماذا فعلتي؟
  • لم احتمل هذه السخافات الاجتماعية، واجهته وأخبرته ان عليه أن يتركني لأن هذا أقل ما يمكن أن يفعله رجل متحضر، لا يبحث عن مجرد واجهه لحفلات الدبلوماسية خاصته، وأخبرت والدي أنه قد انهى ارتباطه بي…

ابتلعت الكلمات وسألتها إن كان هذا هو السبب الحقيقي لانفصالها؟ أخبرتني انه ليس هناك سبب آخر.

لا أعرف، ربما لم تسبب اجابتها لي إحباط ولكن عليّ ايضا ألا أرفع آمالي في هذه الليلة كثيرا، ربما لن تتكرر ثانية..

نظرت إلى ساعتي وجدتها قد قاربت الحادية عشر إلا عشر دقائق ” القطار” مر الوقت سريعا..

سألتني: هل ستلحق بالقطار؟!

  • لست أدري…

تركت بعض النقود على الطاولة، وتناولت هي معطفها سريعا وارتدته وأخذت معطفي وخرجنا سريعا من المقهي، عبرنا الشارع نحو محطة القطار وكان الجو باردا حقا.. لم أكن أعتقد أنى سألحق بالقطار على أي حال هناك قطار دائما قطار آخر بعد منتصف الليل..

دخلنا إلى المحطة، لم أكن أعرف اتجاه الرصيف فسألت الشرطي عن اتجاهه فأجاب أن أنزل السلم إلى الرصيف رقم 9..

جرينا نحو السلم سريعا وهنا ارتفع صوت ساعه المحطة عن الساعه الحادية عشر بالظبط..قلت لنفسي أن القطار قد رحل بالفعل.. ولم يعد يجدي الجري في المحطة.. وصلنا الرصيف ونحن نلهث كان القطار قد غادر لتوه المحطة، نظرت لها وأنا أضحك.. فسألتنى وهي تلهث : علام تضحك؟

جلست على مقعد الرصيف وقلت لها: ” أن هذا اليوم به حدثت به الكثير من المفاجآت، أراكي فالمؤتمر مصادفة ويسرقنا الوقت والكلام ويفوتني القطار… يبدو أن هذه الليلة لن تنتهي..”

ضحكت ثم سألتني ” وماذا ستفعل؟ “

أجبتها سريعا” قطار بعد منتصف الليل إلى برلين، دائما هناك قطار بعد منتصف الليل”.

  • “سأدفع أنا ثمن التذكرة”
  • لماذا؟
  • لأنني كنت السبب في تأخرك عن موعد القطار..
  • لا، لن تفعلي. ثم إن تذكرة القطار هنا ثمنها مرتفع جدا.. لن تتحمليها..

أصرت فرفضت مرة ثانية، لم أدفع ثمن التذكرة الاولي، دفعتها الجامعه.. وانا سأتحمل ثمن التذكرة الثانية.. ليس في الأمر شيئ!

  • إذن نشترك في ثمن التذكرة. ولن أقبل رفضك..

رفعت يدي مستسلما، وذهبنا معا إلى شباك التذاكر في أعلى المحطة.. رفض موظف التذاكر أن يسترد تذكرة قطار الحادية عشر، كدت أضحك من منظر موظف التذاكر وهو يحتفظ بكل هدوئه في وجه “علياء” عندما أصرت أن استرد ثمن التذكرة، ولكنه أخبرها بكل هدوء أن هذه التذكرة أصبحت غير صالحة، وإن أرادت حقا الاستفادة بها فعليها أن تلتزم بمواعيد القطار.. جذبتها من يدها وقطعت تذكرة في قطار الساعة الواحدة صباحا، ودفعت هي نصف ثمن التذكرة. شكرت الرجل وانصرفنا.. وقفنا في منتصف المحطة لا نعرف ما هي الخطة التالية وماذا سنفعل؟

اعتذرت ثانية عن تأخيرها واستغراقها في الحديث حتى فاتني ميعاد القطار.. أخبرتها أن هذا الخطأ خطأي أنا ولم يكن عليّ أن أنسى..

  • وماذا سنفعل الآن؟
  • ربما أوصلك إلى الفندق وأعود إلى المحطة!
  • لا، لا نريد أن نجازف وتفوّت قطار الواحدة.. حينها ستكرهني حقا..
  • لن نخسر شيئا، ثم إن الفندق قريب من هنا..
  • لا، لنجلس في استراحة المحطة حتى موعد القطار..

امسكت بيدي وتمشينا سويا إلى الاستراحة..

برلين السادسة إلا خمس دقائق..

أبطأ القطار من سرعته وهو يدخل محطة برلين.. نظرت إلى جارتي الصغيرة فوجدتها نائمة، هززتها برفق في كتفها حتى فتحت عينيها.. أخبرتها أننا وصلنا إلى برلين..

وسيتوقف القطار… ……

يُتبع

###