آلان بين زائد أربعة

لإ

كتب توم هانكس

ترجمة: رضوى أشرف

إعداد: هشام فهمي

نُشِرَت فيThe New Yorker في 27 أكتوبر 2014


كما أثبت أربعتنا، كان السفر إلى القمر هذا العام أقل تعقيدًا عما كان عليه عام 1969، مع أن لا أحد يهتم بالمسألة برُمَّتها أصلًا. الذي حدث أننا كنا نشرب البيرة الباردة في فناء منزلي، والقمر هلال يبدو كظُفر أميرة رقيق واطئ جهة الغرب، عندما قلتُ لستيڤ وونج إنه إذا قام بتطويح مطرقةٍ -على سبيل المثال- بالقوَّة الكافية، فإن تلك المطرقة سوف تدور حول القمر بسرعة خمسمئة ألف ميل، ثم تعود إلى الأرض مرَّة أخرى مثل القوس الخشبي المُرتَد. أليس ذلك مذهلًا؟
يعمل ستيڤ وونج في أحد متاجر الأدوات المنزلية، لذلك يستطيع الحصول على المطارق بسهولة، وقد عرض عليَّ أن يأتيني ببعضها. تساءل زميله في العمل إم داش -الذي اختصر اسمه الهندي الأحمر الطويل ليصير كاسم أحد نجوم الراپ- كيف قد يتمكَّن أحدهم من إمساك مطرقة ساخنة لدرجة الاحمرار تَسقُط بسرعة ألف ميل في الساعة؛ بينما قالت آنا -التي تعمل في شيءٍ ما له علاقة بتصميم المواقع الإلكترونيَّة- إنه لن يكون هناك شيء نُمسكه أصلًا، لأن المطرقة ستحترق بالكامل كالنَّيزك، وكانت مُحِقَّة، وهذا بالإضافة إلى عدم اقتناعها بنظريتي الكونيَّة البسيطة التي تتلخَّص في ”الرمي – الانتظار – العودة“. دائمًا ما ينتاب آنا الشك حيال مشاريعي الفضائيَّة حسنة النوايا. تقول إنني دائم الكلام عن أپولو 13 ولونخود، إلى درجة جعلتني أبدأ في تزييف الحقائق لأبدو بمظهر الخبير، وهي مُحِقَّة في ذلك أيضًا.
أحتفظ بكل كتبي غير الخياليَّة على قارئي الكوبو الإلكتروني الذي لا يزيد حجمه عن حجم الجيب، ففتحت فصلًا من كتاب ”انسَ يا إيڤان: لماذا خسر الاتحاد السوڤييتي السباق إلى القمر“، والذي كتبه پروفسيور مهاجر يتمتَّع برأيٍ شديد التعنُّت. طبقًا له، ففي منتصف الستينات حاول السوڤييت التغلب على برنامج أپولو بأسلوبٍ مشابه، أي دون مدار أو هبوط، فقط بالصور. أرسل الشيوعيُّون مركبة فضائية بدون طيار، ووضعوا فيها ما يُعتَقَد أنه مانيكان في بذلة فضائية، لكن وقعت أخطاء كثيرة إلى درجة منعتهم من المحاولة مرة أخرى، ولو حتى باستخدام كلب. كاپوتنيك!
آنا نحيلة شديدة الذكاء، ومندفعة أكثر من أي فتاةٍ واعدتها (لمدة ثلاث أسابيع مُرهِقة)، وقد رأت تحديًّا في الأمر، وأرادت أن تنجح فيما فشل فيه الروس. سيكون هذا ممتعًا. قالت إننا سنذهب جميعًا، وكان القرار نهائيًّا.. لكن متى؟ اقترحتُ أن نجعل ميعاد الانطلاق متزامنًا مع الذكرى الخامسة والأربعين لرحلة أپولو 11، أشهر رحلة للفضاء في التاريخ، لكن الموعد لم يكن يصلح، لأن ستيڤ وونج كان لديه ميعاد مع طبيب الأسنان في الأسبوع الثالث من يوليو. ماذا عن نوڤمبر إذن، حين هبطت أپولو 12 في محيط العواصف، منذ خمسة وأربعين عامًا كذلك وإن كان 99% من أهل الأرض قد نسوا ذلك؟ كانت آنا إحدى وصيفات الشرف في حفل زفاف أختها في الأسبوع التالي للهالووين، لذلك اتفقنا على أن أفضل ميعاد للمهمة هو السبت السابع والعشرون من سبتمبر.
رواد الفضاء في حُقبة أپولو كان عليهم أن يقضوا آلاف الساعات في قيادة الطائرات النفاثة والحصول على شهادات الهندسة، وكان عليهم التدرب على الهروب من كوارث منصَّات الإطلاق بالانزلاق على كابلاتٍ طويلة إلى حيث الغُرف المبطَّنة الآمنة تحت الأرض، فكان عليهم أن يعرفوا قواعد الانزلاق. أما نحن فلم نفعل أيًّا من ذلك، على الرغم من قيامنا بتجربة طيران لمُعَزِّز المحرك الخاص بنا يوم عيد الرابع من يوليو في ممر السيارات الضخم الخاص بستيڤ وونج في أوكسنارد، آملين أن المرحلة الأولى التي تتم دون ملاحةٍ بشريَّة سوف تمرُّ دون أن يلاحظها أحد وسط كل تلك الألعاب الناريَّة. ولقد نجحت المهمة. اختفى الصاروخ، ويقوم حاليًّا بدورةٍ حول الأرض كلَّ تسعين دقيقة.. ودعني أقول بصراحة، موجِّهًا كلامي لعددٍ من المؤسسات الحكوميَّة، إنه سيحترق غالبًا دون أن يُسَبِّب أيَّ أذى عند معاودته دخول الغلاف الجوي بعد 12 إلى 14 شهرًا.
إم داش، الذي وُلِد في قرية جنوب الصحراء الكبرى، لديه مخ خارق، فقد تمكَّن أثناء دراسته الإعداديَّة، بإنجليزيته البسيطة، من الفوز بجائزة الاستحقاق في أحد معارض العلوم بتجربته عن المواد القابلة للاحتراق التي انتشرت سريعًا، ما أثار إعجاب الجميع. وبما أن عبارة ”عاد بالسلامة إلى الأرض“ توحي بامتلاكك درعًا حرارية تعمل جيدًا، فقد أصبح إم داش مسؤولًا عن هذا وعن كلِّ المسائل الناريَّة، بما في ذلك الانفجارات المسؤولة عن الأقفال المتفجِّرة الخاصة بمراحل انفصال السفينة. أما آنا فكانت مسؤولة عن الحساب: نسب الأحمال وميكانيكا المدارات وخلط الوقود والمعادلات المختلفة، تلك الأشياء التي أتظاهر بمعرفتها، بينما تصيبني في الواقع بالدوار.
مساهمتي كانت وحدة القيادة، وهي عبارة عن كرة ضيقة شبيهة بالمصباح قام بترقيعها أحد أقطاب مستزلمات أحواض السباحة كان عازمًا بشدَّة على دخول عالم أعمال الفضاء الخاصة ليجني بعض أرباح ناسا الكبيرة.. على أنه مات أثناء نومه قبل عيد ميلاده الرابع والتسعين، ووافقت زوجته/أرملته (الرابعة) على أن تبيعني الكبسولة مقابل مئة دولار، بشرط أن أُخرجها من مرآبها قبل نهاية الأسبوع. أطلقت على الكبسولة اسم آلان بين، على شرف طيار المركبة القمرية في رحلة أپولو 12، رابع رجل يمشي على القمر، والوحيد الذي قابلته ممن مشوا على القمر، وكان هذا في مطعم مكسيكي في هيوستن عام 1986. كان يدفع الحساب وهو مجهول كأنه جراَّح عظام أصلع، عندما صرختُ: ”ربَّاه! أنت آل بين!“.. يومها أعطاني توقيعه ورسم رائد فضاء صغيرًا فوق اسمه.
وبما أننا سنشارك نحن الأربعة في رحلة الدوران حول القمر، كان عليَّ أن أفسح مكانًا وأتخلَّص من الوزن الزائد داخل المركبة. لن يكون هناك اتصال بأي قاعدة، لذلك تخلصت من كلِّ وسائل الاتصال، واستبدلت كلَّ مسمار ومفصل ومشبك وتوصيلة بشريطٍ لاصق (اللفافة منه بثلاثة دولارات في متجر الأدوات المنزلية). دورة المياه كانت بها ستارة على سبيل الخصوصيَّة، فقد سمعت من مصدرٍ متمرِّس أن دخول الحمَّام في بيئة منعدمة الجاذبية يتطلَّب أن تتعرى بالكامل وتعطي لنفسك حوالي نصف ساعة، لذا كانت الخصوصيَّة ضروريَّة. كذلك استبدلت مقبض الكوَّة الخارجيَّة وقفله الإلكتروني الضخم بقابس من الفولاذ يحتوي على نافذةٍ كبيرة وباب يوصَد ذاتيًّا. في المساحة الفارغة، سيقوم ضغط الهواء داخل آلان بين بإغلاق الباب تمامًا. إنها فيزياء بسيطة.
عندما تُعلِن عن سفرك للقمر، يفترض الجميع رغبتك في الهبوط عليه، وأن تغرس العلم وتتقافز كالكنغر بسُدس جاذبيَّة الأرض، وتجمع بعض الصخور لتعود بها إلى الوطن؛ وكلها أشياء لم تكن في نيتنا. إننا سندور حول القمر، أما الهبوط عليه فشيء مختلف تمامًا، ناهيك عن الخروج إلى سطحه، فاختيار من منا نحن الأربعة سيخرج أولًا ليصبح صاحب أثر القدم الثالث عشر على سطح القمر كان ليُفضي إلى الشعور بالكثير من الحقد والحسد، وكان طاقمنا لينفصل قبل أن تنقضي ثوانٍ عشر.
استغرق تركيب المراحل الثلاث لسفينتنا الجميلة آلان بين يومين. قمنا بتخزين ألواح الجرانولا والمياه في عبواتٍ مضغوطة، ثم قمنا بضخ الأوكسچين السائل من أجل مرحلتي الدفع الأوليتين، والكيماويات القابلة للاشتعال من أجل الإطلاق الأولي للمحرك، ومن ثم سيقودنا صاروخنا الصغير إلى مغامرتنا القمرية. جاء أغلبية سكان أوكسنارد إلى ممر سيارات ستيڤ وونج ليُحَملِقوا في آلان بين، مع أن لا أحد منهم كان يعرف من هو آلان بين أو لِمَ سمينا الصاروخ باسمه. توسَّل الأطفال لأن نسمح لهم بأن يلقوا نظرة داخل المركبة، لكن لم يكن لدينا تأمين عليها.
ماذا تنتظرون؟ هل ستنطلقون قريبًا؟ شرحتُ لكلِّ مغفَّل كان يسمعني معنى نوافذ ومسارات الإطلاق، وأريتهم على تطبيق الموون فيز (المجاني) كيف علينا أن ندخل مدار القمر في اللحظة المناسبة تمامًا، وإلا فإن الجاذبيَّة القمريَّة سوف.. ما علينا! ها هو القمر! فلتوجِّه صاروخك نحوه ولتبدأ العرض.
بعد الخروج من برج الإطلاق بأربعٍ وعشرين ثانية كانت المرحلة الأولى تحترق بدون توقف، وكان تطبيق ماكس كيو (بـ99 سنتًا) يُظهرِنا ونحن نقوم بسحب ما يزيد على وزننا بنحو 11.8 مرَّة فوق مستوى البحر، وإن كنا لم نكن في حاجةٍ إلى الآيفون ليُخبرنا بذلك في الحقيقة.
كنا.. نقاتل.. محاولين.. التنفس.. بينما كانت آنا.. تصرخ ”ابتعد.. عن.. صدري!“، مع أن أحدًا لم يكن يجلس على صدرها. كانت هي في الواقع الجالسة فوقي، تُحَطِّمني فيما بدا شبيهًا برقصة يقوم بها لاعب هجوم في حِجري. ثم.. كابووم! انفجرت أقفال إم داش المزوَّدة بالديناميت، واشتعلت المرحلة الثانية كما هو مخطَّط. بعد دقيقة، بدأت كوكبة من الأتربة والعملات الفكة وبعض الأقلام في التحليق من خلف مقاعدنا، مشيرةً أن مرحى، لقد دخلنا المدار!
انعدام الوزن مسلٍّ كما تحسب بالضبط، ولكنه مزعج لبعض رواد الفضاء ممن يقضون ساعاتهم الأولى بالأعلى في القيء لسببٍ أجهله، كأنهم أسرفوا في الشراب في الحفل قبل الإقلاع. هذه واحدة من الحقائق التي لا تعلن عنها ناسا ولا تراها في مذكرات رجال الفضاء. بعد ثلاث دورات حول الأرض وبعد تأكدنا من قائمتنا الضرورية لباقي الرحلة، اسقرَّت معدة ستيڤ وونج أخيرًا، وفي مكان ما فوق أفريقيا فتحنا صمامات محركنا القمري، وبدأت المواد القابلة للاشتعال في تفاعلها الكيميائي السحري، ثم.. ڤوووش! كنا ننطلق نحو القمر بسرعة تبلغ سبعة أميال في الثانية، وفي النافذة كان كوكب الأرض يصغر ويصغر.
الأمريكيون الذين ذهبوا إلى القمر قبلنا كانت لديهم كومپيوترات بدائيَّة للغاية، فلم يتمكَّنوا من تلقي الإيميلات أو استخدام جوجل لحسم الجدالات، أما أجهزة الآيپاد التي أخذناها معنا فكانت مساحتها أكبر بسبعين بليون مرَّة من أجهزة عهد أپولو تلك وأكثر فائدة، خاصةً خلال فترات التوقف الهائلة التي مررنا بها، وقد استخدم إم داش جهازه لمشاهدة الموسم الرابع من Breaking Bad. التقطنا مئات من صور السِّيلفي بينما تظهر الأرض في النافذة، ثم لعبنا دورة تنس طاولة بدون طاولة معتمدين على كرة پينج پونج والمقعد الرئيس، وفازت بها آنا. بدأت العمل على المحركات في نظام الحركة، معدِّلًا آلان بين للحصول على مشاهد للنجوم الظاهرة في ضوء الشمس، مثل أنتاريس ونونكي والمجموعة الكروية إن چي سي 6333، والتي لايلمع أيٌّ منها بينما أنت في الأعلى وسطها.
الحدث الكبير خلال السفر إلى الفضاء المحيط بالقمر هو عبور طبقة الإكوجراسفير، وهي عبارة عن خط خفي مثل خط التوقيت الدولي، لكن بالنسبة لسفينة آلان بين كان أشبه بروبيكون. على هذه الجهة من المؤشرات، كانت جاذبية الأرض تجذبنا للخلف، تبطئ من تقدمنا، تدعونا للعودة إلى الوطن والعودة للحقائق المؤكدة لمنافع المياه والغلاف الجوي والمجال المغنطيسي. بمجرد عبورنا، تمسَّكت جاذبية القمر بنا، ليُطوِّقنا مجاله الفضي العتيق، ويهمس لنا أن أسرعوا أسرعوا أسرعوا لنُحدِّق في ذهول في وحشته رائعة الجمال.
وفي اللحظة نفسها التي بلغنا فيها تخوم القمر، كافأتنا آنا بطيور من الأوريجامي صنعتها من ورق الألومينيوم، فلصقناها بقمصاننا كأنها أجنحة الطيارين. وضعتُ آلان بين على نظام تحكم حراري سلبي شبيه بدرجة حرارة الشواء، وبدأت سفينتنا الفضائيَّة في الدوران على سيخٍ خفي كما لو أنها تقوم بتوزيع حرارة الشمس. ثم إننا أغلقنا الأنوار، وعلقنا كنزة على النافذة لنمنع ضوء الشمس من التسلل إلى الكابينة، وخلدنا إلى النوم وقد انعزل كلٌّ منا في زاوية مريحة من سفينتنا الفضائيَّة الصغيرة.
عندما أخبر الناس بأنني رأيت الجانب الآخر من القمر، غالبًا ما يقولون: ”تقصد الجانب المظلم؟“، كأنني واقع تحت تأثير تعويذة لدارث ڤيدر أو پينك فلويد. في الواقع، يحصل جانبا القمر على القدر نفسه من أشعة الشمس، فقط في وقتين مختلفين.
ولأن القمر كان ينشر ضوءه الشمعي على الرفاق في الوطن، كان علينا أن ننتظر الجزء الظليل على الجهة الأخرى. في ذلك الظلام، مع اختفاء ضوء الشمس والقمر يحجب انعكاس الكرة الأرضية، بدأت تحريك آلان بين قليلًا حتى أصبحت نافذتنا في مواجهة متوالية لانهائية من الزمن والفضاء، وهو مشهد جدير بشاشة IMAX: نجوم ثابتة مضاءة بألوانٍ من الأحمر والبرتقالي والأصفر والأخضر والأزرق والنيلي والبنفسجي، مجرتنا تمتد على مرأى العين كأنها سجادة بزُرقة الماس في مواجهة سواد كان من الممكن أن يكون مرعبًا لو لم يكن بهذا السِّحر.
ثم حلَّ النور فجأةً كأن إم داش ضغط زرًّا ما. عبثت بأجهزة التحكم قليلًا، ومن أسفلنا كان سطح القمر. واو! إنه مبهر بطريقة لا تستطيع أي كلمة أن توفيه حقه، مكان وعر لكن يحث على الكثير من الانبهار والرهبة. أظهر لنا تطبيق لوناتيكيت (99 سنتًا) اجتيازنا المسافة من الجنوب إلى الشمال، لكن عقولنا كانت تائهة في الفضاء. السطح فوضوي أشبه بخليج رمادي تثيره الرياح، حتى طابقته بدليل ”هذا قمرنا“ على جهاز الكوبو. كانت آلان بين تحلق على ارتفاع 153 كيلومترًا، أسرع من طلقة منطلقة من مسدس، وكان القمر ينسل بعيدًا بسرعةٍ شديدة. فوهة أوريسامي كانت تغطيها خطوط بيضاء وقد ظهرت على جانبها آثار لمنخفضات وأنهار عفا عليها الزمن. قسمنا فوهة دوفاي إلى نصفين، محققين تحولًا سريعًا من اثني عشر إلى ستة، بينما الحافة حادة شائكة كالموسى. أما مير موسكوفينس فكان بعيدًا فلم نقترب منه، وقد بدا شبيهًا بنسخة مصغرة من محيط العواصف، حيث كان آلان بين الحقيقي منذ أربعة عقود ونصف يمشي ويجمع الصخور ويلتقط الصور. رجل محظوظ.
لم تتمكَّن عقولنا من استيعاب المزيد، لذلك قامت أجهزة الآيفون بالتسجيل، وتوقَّفتُ عن مناداة الأماكن بأسمائها، على رغم ملاحظتي لكامپل وديألمبرت -وهما فوهتان صغيرتان متصلتان ببعضهما البعض- بينما كنا في طريقنا إلى الوطن مرورًا بقطب القمر الشمالي. كان ستيڤ وونج قد أعد أغنيَّة معينة ليُشغِّلها أثناء عودتنا إلى الأرض، لكنه كان قد اضطر لإعادة تشغيل البلوتوث على مشغِّل الموسيقى الخاص بآنا، وكان قد تأخَّر بعض الشيء على موعد تشغيلها. صرخ إم داش: ”شغِّليها! شغِّليها!“، بينما احتلَّت رقعة غارقة في الأزرق والأبيض –جزء من كل ما صنعناه من أنفسنا، من كل ما كنا عليه– الكون الأسود أعلى الأفق المدبب كالمنشار. توقعت أن تكون مقطوعة كلاسيكيَّة لفرانز چوزيف هيدن أو چورج هاريسون مثلاً، لكن بالله عليك Circle of Life من فيلم The Lion King لتوثِّق صعودنا من الوطن إلى قمر الجص هذا؟ حقًّا؟ أغنية من أغاني ديزني؟ لكن الألحان والكلمات ذات المعنى المزدوج جعلتني في الحقيقة أشعر باختناقٍ في حلقي، وبدأت الدموع في الانهمار على وجهي لتنضم لدموع الآخرين التي كانت تطفو في أرجاء آلان بين. عانقتني آنا كأنني لا أزال صاحبها. بكينا، بكينا جميعًا، وكنت لتفعل المثل لو كنت معنا.
العودة إلى الوطن كانت بمثابة خيبة أمل كبيرة، على الرغم من الاحتماليَّة (التي لم نعلنها) بأن نحترق بالكامل عند دخولنا الغلاف الجوي الأرضي كقمر تجسُّس صناعي عتيق في حدود عام 1962. بالطبع كنا جميعًا مسرورين لتمكُّننا من القيام بالرحلة واستهلاك ذاكرة هواتف الآيفون بالآي-صور. لكن بدأت أسئلة من قبيل ”ماذا سنفعل عند عودتنا بخلاف رفع كل هذه الصور على إنستاجرام؟“ في التردد.
إذا قابلت آل بين مرَّة أخرى، سأسأله كيف قضى حياته بعد أن عبر الإكوجراسفير مرَّتين. أيعاني من الشعور بالاكتئاب في فترة الظهيرة الهادئة بينما يدور العالم بلا توقف؟ هل سأشعر بالحزن أحيانًا لأنه لا يوجد شيء يضاهي روعة قسم دوفاي إلى نصفين؟ أعتقد هذا.
– «واو! كامشاتكا!»، صرخت آنا بينما بدأت درعنا الحرارية في التفتت إلى ملايين المذنبات بحجم الحبوب. كنا قد بدأنا في الانحناء فوق الدائرة القطبيَّة الشمالية وقد بدأت الجاذبيَّة تأمرنا نحن من صعدنا إلى أعلى بالنزول مرَّة أخرى. وعندما انفتحت المظلة، هزَّتنا آلان بين حتى النخاع، مسببة انفصال جهاز الموسيقى عن موقعه المثبت باللاصق ليصطدم برأس إم داش. وعندما هبطنا أخيرًا في أواهو، كان خيط من الدم ينساب من الجرح العميق بين حاجبيه. أعطته آنا منديلها، إذ خمِّن ما الذي نسينا أن نأخذه معنا في رحلتنا إلى القمر؟ للقراء الذين ينوون تقليدنا أقول: الضمَّادات.
وفي المرفأ –أي السقوط في المحيط، بدلًا من التحلل إلى پلازما– قام إم داش بتشغيل مشاعل الإنقاذ التي كان قد خبأها أسفل عدة الباراشوت. فتحت صمام تعديل الضغط مبكرًا، ولذلك بدأت العوادم الصادرة من جهاز حرق الوقود الزائد في دخول الكبسولة لتجعلنا نشعر بالغثيان أكثر.
وبمجرد أن أصبح الضغط في الكابينة مطابقًا للخارج، كان ستيڤ وونج قادرًا على فتح المقبض الرئيس، ليتدفَّق نسيم المحيط الهادي إلى الداخل لطيفًا كقُبلة من الطبيعة الأم. على أنه بسبب ما تبين أنه عيب كبير في التصميم، بدأ ذلك المحيط الهادي نفسه في الانضمام إلينا داخل سفينتنا الصغيرة، وكانت رحلة آلان بين التاريخيَّة الثانية على وشك أن تصبح خزانة ديڤي چونز.
كانت آنا سريعة البديهة، فحاولت حماية أجهزة الآپل التي معنا، لكن ستيڤ وونج فقد جهازه السامسونج (الجالاكسي! ها!)، والذي اختفى في الجزء الأسفل من طاولة المعدات بينما دفعتنا مياه المحيط المرتفعة للخروج.
بعدها قام القارب النهاري القادم من فندق كاهالا هيلتون، الملئ بالغواصين الفضوليين، برفعنا من الماء، وأخبرنا متحدثو الإنجليزية منهم بأن رائحتنا مريعة، بينما ابتعد الأجانب عنا لمسافةٍ كبيرة.
بعد أن أخذت حمَّامًا وغيَّرت ملابسي، كنت قد بدأت في الاستمتاع بسلطة فواكه من زورق خشبي مزخرف في بوفيه الفندق، عندما جاءت سيدة لتسألني عما إذا كنت داخل ذلك الشيء الذي هبط من السماء. أجبتها بالإيجاب، لقد ذهبت إلى القمر وعدت بأمان إلى أرضنا العابسة، مثلي مثل آلان بين، فقالت في دهشة:
– «مَن؟!».

ترجمة: رضوى أشرف
إعداد: هشام فهمي

نُشرت ترجمة لمقال في صفحة المترجم على الرابط التالي

https://www.facebook.com/Almutargem/photos/a.288575417946303.1073741833.266695856800926/534189023384940/?type=1&theater

Photojournalism Daily: Oct. 16, 2014

Originally posted on LightBox:

Today’s daily Photojournalism Links collection highlights Kiana Hayeri’s work that explores Iran’s sexual minorities. The photographs capture the story of a 19-year-old gay man called Amir, who moves to Turkey in the hope of a better future. The series is a powerful document of the young adult at a life’s crossroads and in the midst of continuing sexual transformation, and it just received an Honorable Mention from the 2014 Emerging Photographer Fund. 


Kiana Hayeri: Jense Degar  (The Other Sex) (Burn Magazine)

Misha Friedman: Bogdan and Yegor (Time.com) A Crimean gay couple decides to emigrate as Russian homophobia sets in.

Katie Orlinsky: Bear Town USA (Al Jazeera America) A small Alaskan village goes through major changes as Arctic Sea ice retreats.

Seeing Beauty Where Others Do Not (The New York Times Lens) Sarah Stacke writes about Marc Riboud, whose Asia work is now on show at the Rubin Museum of Art, in New York.

A Lens to the Front (Roads & Kingdoms)

View original 71 more words

Magnum Photos, and Founders, Will Come to Life in Upcoming TV Show

Originally posted on LightBox:

Magnum Photos has announced the development of a television drama series that will detail the photo agency’s early days in the 1940s and the “human stories of love, honor, laughter, betrayal and heartbreak that existed at the agency’s Paris headquarters.”

Carnival Films, which produces the Emmy-award winning Downton Abbey, will develop the as-yet untitled series. “Carnival has been talking to Magnum about this project for quite a long time,” Magnum’s Executive Director David Kogan says. “We get approached on a regular basis by people who want to do films, drama, historical documentaries, or fly-on-the-wall documentaries. When I came in as Executive Director and with my background in television [as global managing director of Reuters Television], I was very interested in [Carnival’s idea].”

Earlier this year, Kogan negotiated a proposal that “was fair to all parties,” before presenting it to the photo agency’s members at the annual general meeting in July. “Our photographers and…

View original 276 more words

ماكينة الخياطة

 

228150_153089664758951_117345288333389_329312_7375844_n.jpg

ليس من عادات والدي أن يوقظني من النوم مبكرا .. هو يعلم الصعوبه التى أواجهها في إيجاد ساعات النوم اليومي .. أعاني دائما من أرق يجعلني أظل ساهرا طوال الليل حتى الساعات البعيده من الفجر .. وأكتفي بساعات أربع أنامها يوميا .. ساعات أربع ليس إلا ..
لم أستطع أن أقاوم الرغبه في معرفه السبب وراء إيقاظه لي مبكرا وإلحاحه الغريب أن أنزل معه إلى قبو المنزل ..
قاومت النعاس الذي يتنازع مع عيني وجلست على طرف الفراش منتظرا أن أفيق من غفوتي ..
سمعت صوته ينادي بإسمي من الصاله القريبه .. فقمت ببطء .. مازال النعاس يغالبني .. ولكني وصلت إليه .. ونزلنا إلى القبو المغلق ..
أحسست أني أنزل سلالم كثيرة .. وكلما نزلت درجه زادت البرودة حولي .. وكأني أنزل إلى مباه محيط بارد .. وقفنا أمام باب القبو نحاول أن نفتحه .. اللعنه على تلك الأبواب القديمه .. ما إن تتركها مغلقه لمده قصيرةحتى تصدأ وتنكسر مفاتيحها بسهوله .. فترة قصيرة لا تتجاوز الـ 20 عاما ..
حاولنا عبثا فتح الباب المغلق بلا جدوى .. فأخبرت والدي أن ” مش مشكله نبقى نجيب نجار يفتحه بكرة وخلاص “
لم يجاوبني ولكنه استمر في محاولاته لفتح باب القبو .. حتى نجح ..
لم أفهم ما سبب إصراره على دخول القبو القديم ؟
هل دخلت قبوا مغلق من قبل ؟
لا تتعب نفسك في التخيل !!
كان الهواء رطبا ..يحمل رائحه الأقبيه القديمه المعتاده .. لم يكن هناك سوى لمبتين صغيرتين تتدليان من السقف كعصفورين حكم عليهم بالإعدام شنقا .. في قبو قديم بارد ..
أغلقت عيني لوهله لكي أقاوم هذه النور المنبعث من اللمبتين .. وفتحتهما لأنظر إلى حائط القبو الذي يواجهني .. وهذه الكراكيب القديمه .. أنا أحب الكراكيب .. أحب تجميعها والاحتفاظ بها .. ربما ورثت هذه العادة من أبي دون أن أدري .. أحتفظ دائما بـ كُتب وجرائد نام على إثرها الدهر سنينا فقط لأننى أحب أن احتفظ بها ..
واحتفظ بكل ألبومات الصور الخاصة بأمي رحمها الله .. وكل متعلقاتها في غرفتها القديمه في المنزل ..
ولكن هذه الكراكيب ليست جرائد أو كتب قديمه ..
ما هذا .. علب شوكولاته قديمه .. أباجورة رخاميه .. صندوق أسود كبير من ذلك الذي تراه في الافلام القديمه .. حقيبه نسائية كبيره كتلك التى كانت تحملها ميرفت أمين في أفلام الثمانيناات ..
و ألبوم من الصور القديمه .. كُتب على غلافه ” زوجتي العزيزة – مصر 1990 “
ماذا يحدث عندما تجد ألبوما من الصور القديمه يغلفه التراب .
لم أكترث باستئذان أبي للاحتفاظ بهذا الألبوم الذي يحتوي على صور أمي التى ماتت منذ زمن .. تصفحت بعض صوره و أغلقته ووضعته قرب باب القبو لألتقطه أثناء خروجي كي لا أنساه ..
التفت إلى أبي كي أسأله هل وجد ما يبحث عنه وسط هذا الحطام الزمني ؟
وجدته يتنقل بين الأشياء كأنه لا يدري عما يبحث ؟
هل تعلم تلك العلاقه التى تنشأ بينك وبين الجماد .. صداقه .. تعود .. ألفة .. لا تفهم ما هي بالظبط .. ولكنك تشعر أنك تفهم هذا الشئ الجماد وهو يفهمك .. معا أنتما رائعين .. كل منكما يكمل الآخر .. أحيانا أشعر به مع هذا الووكمان الصغير الذي أحتفظ به منذ طفولتى .. لم يعد يعمل جيدا .. ولكني أعرف كيف أجعله يعمل .. وأشتاق جدا لأيامنا سويا حين كانت الأغاني هي متعتنا الوحيدة تحت الغطاء الثقيل في ليالي الشتاءالباردة ..
ربما كان أبي يبحث عن أحد هذه الأشياء التى ارتبط بها في شبابه .. لست أدري .. لم اكن أعرف فيما كان يفكر هو عندما فتح باب القبو .. إن فتح الأبواب القديمه كفيل بأن يفتح عليك كل ذكريات الماضي .. وهي ليست كلها سعيده دائما .. لابد وأن يحتوى ماضيك على بعض الذكريات المؤلمه .. خاصه تلك التى تحتاج أبوابا لتختبئ خلفها ويغلفها التراب والسنين .. ربما كان يبحث عن ذكري ضائعة .. أو قصاصة من الماضي .. أو ربما ألبوم من الصور القديمه .. لست أدري ..
كان يلتفت بين الأشياء المبعثرة وهو يتمتم بكلمات لم أفهم كنهها .. نظرت إلى النقوش التى تزين الحائط .. ما الذي تفعله هذه النقوش على حائط قبو مغلق ؟
لم أفهم .. التفت إليه فوجدته يقف أمام شئ متوسط الحجم مغطي بملاءة بيضاء كبيرة .. أحسست بتردده الصامت .. احترمت صمته لبضع ثوانٍ .. ثم اقتربت منه ببطء .. فرفع يديه يخفي بها وجهه فتراجعت خطوة للوراء ..
ثم سألته بسرعه : هوا ايه دا يا بابا ؟
لم يجاوبني .. ولكنه استجمع شجاعته أخيرا .. ورفع الملاءة البيضاء .. ليظهر تحتها صندوق من الخشب الاحمر بأربع قوائم حديدية ..
حاولت التقدم معه لكنى لم أجد مجالا لذلك .. كان يفتح الصندوق في لهفه كأنه وجد مخطوطة إلى كهف الكنز .. أو أنه وجد الكنز نفسه ..
” دى مكنه خياطه ” ..
قلتها باستغراب .. وأنا أنظر إلى هذه الماكنيه القديمه .. يغلفها التراب وأكلها الصدأ بفعل عوامل الزمن .. والرطوبه ..
ما الذي تفعله هذه الماكينه هنا .. ولمن هي في الأساس ؟
لم تتجاوز كلماتي حدود عقلي ولكنه رفع عينيه إليّ ورأى ذلك التساؤل في عيني فأجابني
” دى مكنه الخياطة بتاعت أمك “
فهمت الآن لما كل هذه الجلبه .. أوقظني من النوم كي يحضر هذه المكنه القديمه الخرقاء ..
اللعنه ..
كالعادة لم تتجاوز لعناتى حدود عقلي إلى لساني .. لذلك تجاهلت ما يدور في رأسي من أفكار .. وساعدته ففي رفع الصندوق الاحمر من مكانه .. وجدته يمسح التراب من علي الصندوق بيديه .. لا أدرى ما سر هذه اللهفه الغريبه على ماكينه خياطة باليه قديمه ..
كان يتمتم بكلمات لم أدري كنهها .. هؤلاء الكبار ما إن يتجاوزوا الخمسين يصبحون أصعب إلى الفهم من مسألة فيزيائية وضعها اينشتاين
تجاهلت ما أسمع و ساعدته في نقل الصندوق الأحمر إلى الخارج ونقلناه إلى اعلى الدرج .. ووضعناه في البيت فى مكان كان قد أعده سلفا لذلك ..
عدت إلى القبو سريعا كي أغلق بابه المفتوح .. أطفأت اللمبتين الصغيرتين .. التقطت ألبوم الصور .. وأغلقت الباب
لم يعد هناك مجال للنوم مرة أخرى بعدما أوقظني أبي .. طار النوم من عيني تماما .. خاصه وأنا أسمعه يفتح الصندوق الخشبي الأحمر ويبدأ في نشر محتوياته .. موتور صغير .. أجزاء من تروس صغيره .. وقطع من القماش .. وبالطبع تلك الماكينه القديمه ..
ظل منهمكا طوال اليوم .. معها .. كانت شغله الشاغل طوال اليوم .. احتاجت بعض قطع الغيار فنزل خصيصا ليشتريها .. تركته مشغولا بها .. ودخلت غرفتي .. حاولت أن أقتل الوقت فالتقطت ألبوم الصور .. وجلست على طرف الفراش أقلب فيه ..
لم أتفاجئ كثيرا من صور الألبوم .. بل وربما لم أكترث حتى بالسؤال عنها .. ألبوم من الصور يحتوي على 40 صورة وكعادة أبي يكتب على ظهر كل صورة تاريخها والمكان التى التقطت فيه هذه الصورة … 40 صورة أخذت كلها بكاميرا فوريه الطبع .. مازلت أحتفظ بهذه الكاميرا القديمه
هالنى ما رأيت .. كانت صور الألبوم منسقه بحرفيه .. وعلى ظهر كل صورة تاريخها والمكان الذى التقطت فيه هذه الصورة ..
كانت معظم الصور الموجودة لأمي وهي تجلس خلف ماكينه الخياطة تلك .. معظم الصور كانت تخيط شيئا او تقوم برصّ الخيوط الملونه على بكرات اعمودية رفيعه ..
انتهيت من تصفح الألبوم سريعا .. وخرجت مرة أخرى إلى الصاله الصغيرة حيث أبي ما زال يداعب طفلته الجديدة ..
لماذا تبحث عن الماضي دائما ؟
لأن فيه كل الدروس التى ممكن أن تتعلمها .. والأخطاء التى يمكنك أن تفعلها ثانية .. ولماذا أفعلها .. لأن هكذا أنت .. إن لم تفعل هذاا الخطأ فمن غيرك سيفعله .. هذاا قدر من يخطأون ليعيشوا الخطأ مرات كثيرة .. لا تشغل بالك .. المهم أن تعود إلى الماضي لا لكي تتعلم ولكن لكي تراه وتتلذذ به وبذكرياته السعيدة .. وتتألم منه ومن ذكرياته الأليمه ..
أعددت كوبين من القهوة ووضعت كوبه أمامه وجلست بجواره وهو ما زال منهمكا في إصلاح هذه الماكينه النحاسية .. راقبته وراقبت خطواته .. يرفع هذه الذراع مرتين لا بل مرة واحدة ثم يجذبها لأسفل ويحرك بقدميه ترس صغير فتتحرك الماكينه ..
” أمك اللى علمتنى ازاى أخيط هدومي “
قالها وهو مندمج في عمله ولم يرفع رأسه إليّ ..
لم أجد من الكلمات ما أقوله له.. ربما كان يحن إلى أيامها .. ربما .. ولكنه كان سعيدا .. وهذا ما كان يريحني .. ابتسمت له وربت على كتفه وذهبت إلى غرفتي .. وقبل أن اغلق باب غرفتي نظرت إليه عبر الصالة .. و رأيتها .. كانت ابتسامه صغيرة تتسلل إلى ملامح وجهه لترتسم علي شفتيه .. قبل أن تتسع .. وتتسع .. وما تزال يديه تجري بسرعة على بكرة حديدية في جانب الماكينة القديمة .. ماكينة الخياطة..

إيهاب محمد

A day before

الأسئلة … إن كنت ستسأل نفسك أسئلة لأحداث وقعت فى الماضي .. فأنت أحمق .
ما مضي قد مضي .. ولم يعد يجدي فيه السؤال ولا الجواب ..
وإن كنت تسأل نفسك أسئلة عن الحاضر .. فأنت مازلت أحمق ..
لأنك الآن في حاضرك .. وإمامك فرصة أن تفعل ماتريد .. لا تضيعها وتضيع وقتك بأسئلة لا إجابه لها ..
عندما تتحدث عن المحتمل في المستقبل .. فأنت لا تعرف إن كنت ستفعل أم لا .
كل ما عليك أن تفكر فى كل الاحتمالات .. وتختار منها .. ما يناسبك أنت ..
ولكن ماذا إن كانت كل الاحتمالات ورادة .. ومنطقية .. وحقيقية .. ومن الممكن أن تحدث
أو أنها حدثت بالفعل …

***
30-8-2013 Sat – 11:45 AM Damietta

And he said :
ihab .. if you are gonna ask yourself a question …
– I ask myself a lot of questions ..
– OK, Let me ask you that .. What if Today is your last day ! what are you gonna do ?
– You mean this is my last day and I’m gonna die tomorrow ?
– exactly
– …

***
30-8-2013 Sat – 11:30 PM Cairo

كنت أجلس امام البار .. واضعا رأسي على كفيّ حتى لا تسقط منى .. وذلك الصداع الرهيب يتوغل فى جنبات وتلافيف مخي .. أحاول ان ألتقط تفاصيل الأشياء حتى لا أسقط في النوم .. أو الغيبوبه على ما يبدو ..
تحاملت على نفسي ورفعت رأسي احاول ان أبدو متماسكا .. لم أستطع .. فأنزلتها ببطء .. فوقعت عيني على الكأس الذي تتصاعد منه رائحة الصداع .. نظرت باشمئزاز إلى الكأس الذي يملأ نصفه الهواء ونصفه الآخر سائل شفاف أخضر اللون .. تحمل رائحته رائحة الكاكاو وإن كان طعمه يحمل مزيجا من التوت والليمون الحامض .. لم أفهم ما هذا المكون الغريب .. ولكنه يتماشى مع الجو العام للمكان الذي أجلس فيه .. والضوضاء التى كانت تنبعث من السماعات الكبيرة .. كانت الموسيقى صاخبه .. لم أكن في كامل وعيي على الرغم من الإيقاع السريع القادم من سماعات الدي جي المرتفعه .. الذي يجعل من المستحيل حتى التفكير فى النوم تحت هذه الضوضاء ..
كان الجو يشبه حلبة الرقص في أحد أفلام السبعينات .. إضاءة ملونه .. و أراجيح فضية في سقف القاعه تتلون مع الإضاءة .. لم يكن هذا مكاني المفضل بالتأكيد .. عليّ أن أحتمل هذه الحفلة واللى يحصل يحصل ..

***

- You know .. that’s a hard question , but i think i have an answer for you .
– So, you have ask yourself this question before ?
– yes , if this is my last day and I’m gonna die tomorrow .. I will live this day to the fullest .
– but ihab, that’s general .. what will you do exactly ?
– …

***

بدون وعي مني أمسكت الكأس وألقيت ما تبقى به في جوفي دفعة واحدة .. واغلقت عيني لأتحمل مرارة هذا المشروب اللاذع .. كنت متعجبا من هذه الكهرباء الخفيفة التى تسري في جسدي بعد هذا المشروب .. أحسست وكأن الأضواء تتراقص مع الموسيقى وكأن الألحان ثابته الإيقاع .. ولم أعد أسمع غير صوت نفسي تحدثني .. ثم سمعت صوت القطار البعيد .. وصوت أمطار صيفية .. وقرع على الأبواب .. ورأيت وجوه كثيرة .. كان رأسي يدور كإطار سيارة مسرعة أو لعبه في الملاهي .. رأيت وجه ابي .. ورأيت أصدقائي .. ورأيت وجهها يبتسم .. فابتسمت .. هي حلم ليلة صيف لم يكتمل .. أو لم يتحقق .. همست لها ” أحبك ” لم تسمعنى .. كانت الضوضاء عاليه عن كلامي .. عيناها العسليتين ووجهها الذي يحمل لون اللبن الممزوج بحبات القهوة الصباحية .. ورائحتها التى تشع منها كرائحة الندى .. يا إلهي .. لماذا هي وليس غيرها ؟
لماذا أفكر فيها .. وهي ليست معي .. الحمقي فقط هم من يحلمون بآمالهم البعيده ..
ربما أنا أحمق آخر ..
يا إلهي .. انا أحمق بالفعل ..
أحسست أن انفعالى تجاوز حدود عقلي وخرج إلى أوتار حنجرتي .. لم أكن في كامل وعيي بالتأكيد .. أفقت من شرودي على صوتي انا وليس على ضربات الموسيقى الموجعه .. كان شرودي في المكان .. غريبا .. الجميع كان مندمجا مع الموسيقى والرقص .. أما انا فكنت في مكان آخر .. مكان صنعه عقلي خارج دائرة الموسيقى المرتفعه .. والإضاءة الملونه .. وتلك الحركات البهلوانيه التى يفعلها البار مان بالأكواب وخليط الثلج ..

***

- OK, I’ll go to a bar ..
– You drink !
– No, but I’ll
– what else ?
– …
***

تغيرت الموسيقى .. أخيرا .. إلى موسيقى هادئة . كنت أحاول أن أتماسك و أمسح ذرات عقلي الناعسه .. ربما تساعدنى بعض الموسيقى الهادئة في ذلك .. كان عقلي يقاوم هذا الصداع وبحاول أن يقاوم النعاس المفاجئ الذي اصابني .. ويبدو أنه في طريقه للنجاح في هذا .. هدأت الذرات المتهيجه في عقلي .. وبدأ الصداع ينحسر ببطئ عن رأسي .. ولكني مازلت غير قادر على الحركة .. احتاج أن يساعدنى أحد ما في ذلك .. يبدو أنه لا مفر من هزيمه الصداع إلا أن أكون أنا الصداع الذي يصيبه .. وليس هو .

افتربت مني في بطئ وهي تهمس في أذني
– Are you okay ?
أجبتها وأنا أبذل مجهودا خرافيا فى الكلام
– مش عارف
سألتني في قلق
– لسه حاسس بالصداع ؟
أومأت برأسي ببطء ..
– I’ll get you some water ..
ولم أشعر بها بجانبي

غابت كثيرا .. ربما لدقائق .. أو ربما لثانيتين فقط .. لست أدري ولكنى لمحتها بطرف عيني وهي تسحب مقعدا لتجلس بجانبي على البار .. لم ألتفت لها .. لو حاولت لسقطت على الأرض مغشيا عليّ .. لم أكن لأكمل استدارتي إليها .. كنت أعلم هذا جيدا ..

قالت وهي تناولني كوب الماء في يدي
– فيما كنت تفكر ؟
أجبتها بدون تفكير
– لا شئ
تأكدت وهي تحكم أصابعها الرقيقة حول يدي أننى أحمل الكوب جيدا لأرفعه إلى فمي الجاف .. ثم قالت
– ولكنك ذهبت بعيدا .. لاحظت شرودك منذ أن دخلنا هنا
– …..
– heeey , did the cat ate your tongue !!
رفعت رأسي لها ببطء وكأنني أرجوها ان تترأف بي من أسئلتها الكثيرة .. قلت محاولا تغيير دفه الحديث عني ..
– لقد تغيرت الموسيقى
– yeah , Wanna dance with me !
ابتسمت بصعوبه بالغة وأجبتها بالكلمه الألمانية الوحيدة التى أعرفها
– warum nicht ! *( ولما لا )

ضحكت بصوت مرتفع .. كشفت ضحكتها عن صفين من اللآلئ البيضاء المتناسقة .. مع إشراقة شعرها الأشقر الطويل .. وهي تلقيه خلف ظهرها وتلك النظرة الطفولية من عينيها كحبات الخرز الأزرق وهي تقوم في سرعه من أمام البار .. مدت يدها إلىّ .. وهي تبتسم ابتسامه جذلة كأنها طفلة وجدت لعبه قديمه وفرحت بها .. أعطيتها يدي ومشيت بجانبها إلى حلبة الرقص الدائرية .. في منتصف القاعة الكبيرة

***
– what else ?
– I’ll dance with a pretty girl ..
– ahaa,
– I’ll love her and I’ll write the best story ever ..

***

لم تكن رقصه عادية .. لم اكن أشعر بقدمي على الأرض .. كنت أطير وأنا أحمل بين جناحيّ يمامه صغيرة .. كنت أشعر بأصابعي تلمس كفها كقطعه من القطيفة الناعمه .. أو كنت أسبح في بحار عينيها الزرقاء تائها .. عندما أنقذتنى من الغرق خصلات شعرها الذهبية التى تتطاير برفق على كتفيها .. كشلال من الذهب النقي ..

اختفى الصداع فجأة .. هكذا وبدون أى مقدمات .. أحسست بنشاط مفاجئ وبطاقة غريبة تسري في أوصالي .. لا ادري ما سرها .. ربما هي عيناها .. أو لمسة يدها التى أمدتني ببعض الحياة من رحيق كتفيها .. لست أدرى ..

قطع سير أفكاري انتباهي للتوقف المفاجئ للموسيقى .. وصوت الدي جي .. أننا فى آخر دقائق شهر أغسطس وأنه سيبدأ العد التنازلي بعد دقائق ليعيش الجميع أول لحظات البدايه في شهر سبتمبر ..

قلت في سري ” ما هذه التفاهة ؟ ” ما الذي يميز سبتمبر عن باقي شهور العام

ارتفع صوت الدي جي مجددا يطلب من كل الـ couples
أن يقتربوا من حلبة الرقص الدائرية .. أحسست أنه بالفعل لم يعد هذا مكاني للتواجد .. فالتفت لكي أرحل .. واصطدمت عيناي بها ..
سألتنى :
– رايح فين ؟
قلت بغباء:
– ما هوا بيقول بس للـ couples
رفعت حاجبها الأيسر في استعجاب فشعرت بسخافة إجابتى ولم أجد ما أقوله فوقفت بجانبها .. أنظر إلى حائط الموسيقى والالوان الرخاميه التى تنبعث منه ..
10
9
لا أعرف لماذا ولكني أمسكت بيدها ..
6
5
التفت لها محاولا أن أعتذر عن تصرفي الطائش
3
2
1
Happy September …
شعرت بتلك الرجفه الخفيفة في يدها التى أمسك بها .. فنظرت إليها .. وكأنها كانت تنتظرني أن أفعل .. وجدتها بجانبي .. أمامي .. تنظر إليّ .. لو لم أكن واثقا من أنني أرى كل شئ حولى لأقسمت أننى وهيا كنا نقف في حديقة من الزهور في مرج أخضر ومن حولنا ينبعث صوت موسيقى رومانسية خفيفة .. ولكننا كنا هنا .. ولم يكن هناك مرج أخضر ولا حديقة من الزهور .. توقفت عن الذوبان في عينيها الزرقاوتين .. أفقت من غقوتي .. هاتان العينان ليسا ما كنت أحلم به .. ليسا ما أذهب بخيالى إليهم .. وهي ليست الأخرى .. كنت أستطيع أن أقرأ في عينيها كل الأسئلة .. ولكني لم أكن قادرا على الإجابة عن أى منها ..
لمحت تلك الارتجافة الخفيفة في شفتيها .. شعرت بأنها تريد أن تقول شيئا .. شيئا انا لن أكون قادر أن اتحمله .. لابد وأن أفعل شيئا .. كان على أحدنا أن يبدأ بالكلام سريعا .. قررت أن أقطع هذا الصمت الطويل بيننا فأمسكت خدها بأصابعي كمن يداعب طفلة صغيرة .. فابتسمت ابتسامه ساحرة .. وأنزلت رأسها للحظة ثم رفعته ثانية .. لاحظت تورد خديها بحمرة خفيفة .. اقتربت منى وأنا أحتوى كفها الصغيرة في يدي لم تكن المسافات بيننا تسمح بالكلام أو حتى بالتفكير .. كنا نتشارك نفس الهواء .. ونفس النظرات .. كان صوت أنفاسنا يعلو على صوت الموسيقى ..
لم يكن للكلمات أى جدوى هنا .. وحتى إن قيلت لن يكون لها أى معنى .. إنها لحظة تجلي موسيقى دقات القلب وإيقاعها .. ومكانها في أوركسترا الذوبان الأبدي ..
ربما هناك كثيرون من عاشوا هذه اللحظة .. ربما هناك من شعروا بالهزة الأرضية التى تصيب شراينهم .. ولكنى لم أفعل .. لم أكن منهم .. لأننى وإن كنت أقف هنا ويدي تمسك بأصابعها .. ولكن قلبي لم يكن يخفق لها .. لم يكن يفعل ..

أفقت من تفكيري عندما تحركت شفتاها ببطءوقالت :
– انا عايزة أقولك حاجة

……………

***

So, ihab .. Do you believe in the sixth sense ?

يُتبع
To be continued ……

لا شئ حقيقي

لا شئ حقيقي

قصة جديدة

كان الجو كئيبا .. خانقا .. رتيبا مع إيقاع دقات عقارب ساعه قديمه .. لا جديد ..
كان يجلس أمام شاشة اللاب توب .. يقلب في بعض الصور القديمه .. كم كانت اللحظات جميلة .. ولكنها الآن أصحبت كأنها لم تكن كذلك ..

كيف تتحول ذكرياتك الجميلة إلى لحظات من الألم واليأس ؟

ما زال الجو كئيبا .. رماديا .. و صامتا .. لا يقطع سكونه سوى دقات تلك الساعه اللعينه .. تبا كم يريد أن يحطمها ..
تغيرت الصور على الشاشة الصغيرة .. توقف عند تلك الصورة .. ندت منه تنهيدة تحمل بعضا من الوجع الكامن في صدره .. لقد تغيرت الحياة تماما منذ هذه الصورة .. بعض الوجوه اختفت من الحياه .. وبعضها بعيدا عن حياته .. كان ينظر باستغراب إلى تلك الضحكات التى تزين وجوه من في الصورة .. وتوقف عند وجهه هو .. كان يضحك في صخب كعادته كلما اجتمع معهم .. كانوا رفقة لا مثيل لها ..

أين هذه الضحكات الآن ؟

لمح انعكاس وجهه على مرآة صغيرة مكسورة ضلت طريقها على حائط الغرفة ..
ضاقت عيناه وهو يتفرس في ملامحه .. وكأنه يراها لأول مرة ..

لماذا لم أعد أبتسم كما كنت ؟

هل هو ما حدث قديما .. قد أثر في ! .. هل مازلت أفكر فيما مضي .. ألهذا أغلقت على نفسي كل هذه الأعوام !! كيف سمحت لنفسي أن تصبح يابسة بلا إحساس بالحياة ؟
أأنا أستحق ذلك ؟ أأستحق أن أموت ومازال في صدري أنفاس تتردد !!
لابد أن تنتهي هذه المأساة الإغريقية التى أعيش فيها .. لابد وأن تنتهى الآن .

قام سريعا نحو باب الشرفة .. فتحه .. اندفع الهواء إلى داخل الغرفة .. وطار منها بعض الأوراق وانقلبت زهرية الورد على الأرض لتفترش بعض الورود الذابله أرض الغرفة ..

إنه الليل .. لم يكن يعرف .. لم يكن لديه حس بالمكان أو الزمان ..
أو الشتاء أو الصيف .. كل الأيام تتشابه كثيرا .. إذا كنت مكتئبا .. او وحيدا .. لا جديد .. أنت فقط تعيش اليوم لينقضي ويأتي غيره .. وغيره ..

تسلل بخطوات خافته فى الشرفة الواسعه كأنما لا يريد أن يوقظ الورود الذابلة المتفرقة في أنحاء الشرفة ..
ألقي بيديه على حافة الشرفة .. مسكت كفيه التراب العالق على سور الشرفة .. ومسحته .. فرد ذراعيه إلى الأمام كأنما يدفع بها كابوس من على صدره ..

تسلل هواء الليل إلى رئتيه .. فتنفسه .. تنفسه بعمق شديد .. بعيدا عن هواء غرفته العطن الفاسد الذي يحمل أطنانا من التراب والبكتيريا ..

كانت الأغصان القريبة من الشرفة تتمايل برقة مع نسيم الليل .. وكان القمر يتدلى كلؤلؤة فضية من خلف سحابات الصيف الخفيفة .. بعض السيارات تقطع صمت ذلك المشهد السماوى بأزيز مزعج .. ولكن ما يلبث الليل أن يرتدى حلته الساكنه مرة أخرى سريعا ..
تطلع في حزن إلى ورود الشرفة الذابلة .. كلهم موتى  .. ولم يبق من رحيقهم إلا الذكريات .. ولا من لونهم إلى لون الذبول ..

ظل يتنقل بعينيه بين الورود المتفرقة .. حتى وقعت عيناه عليها .. كانت تفتح أوراقها البيضاء الصغيرة على استحياء بجانب نبات الظل الطويل .. جرى إليها سريعا .. انحنى على الأرض يحتضن إنائها الصغير .. ويرفعه إلى أمام عينيه ..
إنها حية .. تتنفس ..

كيف لهذا الكائن الضئيل أن يعيش كل هذه الفترة بدون ان يرتوى ؟

وضعها في منتصف الشرفة .. حيث تشرق الشمس صباحا .. وجرى إلى الثلاجه المتهالكه الملقاة في ركن المنزل .. وأخرج زجاجات المياه كلها .. وهرع إلى الشرفة .. وسكبها على الوردة الصغيرة .. أفرغها وكأنه هو من يشربها بعد صراع فى صحراء قاحله .. لم يستطع ذلك الإناء الصغير أن يتحمل هذه الكميه من الماء المتدافعه .. فتدفق م الماء إلى الأرض راسما مع التراب شكلا سرياليا جميلا ..
اعتدل وهو يمسح عرقا وهميا على جبينه ..
ورجع إلى غرفته .. وأغلق الصور القديمه .. وفتح ملف جديد للكتابة .. وشرع يكتب .. ويكتب .. ويكتب .. كأنه آله لا عمل لها إلا الكتابة ..

إن كانت هذه الوردة الصغيرة قد قاومت وظلت حية بدون أن تموت .. فلابد وأنها قد عانت كثيرا .. وقد عانت بالفعل .. لقد كانت تنتظر أن ترتوى .. كانت تأمل أن ترتوى .. لم تكن واثقة من ذلك ولكنها كانت على أمل أن يحدث هذا .. ومن أجل هذا الامل .. عانت كثيرا .. وكثيرا ..
وقد عانى هو أيضا كثيرا .. وتعب كثيرا .. ومرض كثيرا .. وقد حان الوقت الآن لكي يرتوي بالحياة مرة أخرى ..

ولم يعد الجو كئيبا أو خانقا .. او ساكنا .. ولكنه كان يحمل صوت نسمات الليل .. بسجادته السوداء وتلك المصابيح اللامعه فيها .. وذلك القمر الفضي اللامع ..

توقف عن الكتابة فجأة .. ورفع عينيه ببطء إلى المرآة الصغيرة التى ضلت طريقها على جدار الغرفة ..
كان يبتسم ..
ابتسامه باهته ..
ولكنها ابتسامه ..
لبدايه جديدة ..
وقصة جديدة ..

 

Image